
في حرب لا تعترف بالقوانين و القواعد و المعاهدات إلا حين تكون لصالح الأقوى، يصبح كل شريان حياة معرضًا للتحوّل إلى أداة موت. وكوبري كوستي، الذي بُني ليربط السودان ببعضه، لم يعد اليوم سوى أنبوبًا يضخّ الحرب من المركز إلى الهامش، من الخرطوم إلى دارفور وكردفان والنيل الأزرق.
منذ اندلاع النزاع، حرص الجيش السوداني على تحويل المنشآت المدنية إلى أدوات عسكرية: جسر يتحول إلى ممر للمدرعات، مستشفى يُستغل كمقر قيادة، ومصفاة وقود تزوّد الآليات لا سيارات الإسعاف. حين قصفت قواته مصفاة الجيلي ودمرت مستشفيات شمبات، لم يُسمع صوت احتجاج أخلاقي أو قانوني، بل جرى التعامل مع تلك العمليات كإجراءات “تكتيكية”. وهنا، تُطرح الأسئلة: من الذي فتح الباب لهذا النمط من العمليات؟ ومن الذي حوّل البنى التحتية إلى أهداف عسكرية مبررة؟
القانون الدولي الإنساني، في بروتوكوله الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف، واضح: الأعيان المدنية لا يجوز استهدافها، إلا إذا استُخدمت بشكل مباشر لتقديم مساهمة فعالة في العمل العسكري. المادة 52 من اتفاقية جنيف تنص على أن المنشآت المدنية، بمجرد استخدامها عسكريًا، تفقد حمايتها القانونية. اللجنة الدولية للصليب الأحمر تؤكد أن ذلك لا يتطلب إعلانًا، بل يتحقق بمجرد الاستخدام العسكري.
وفي ضوء ذلك، فإن كوبري كوستي، الذي تمر عبره ما لا يقل عن ثلاثة ارباع إمدادات الجيش السوداني إلى الجبهة الغربية، قد يصبح موضع مساءلة قانونية لكونه يُستخدم في دعم عمليات هجومية على مناطق ذات طابع مدني، مما يطرح أسئلة مشروعة حول وضعه القانوني في ظل الاستخدام العسكري الواضح.
لكن هذا المنطق ليس حكرًا على السودان. فالتاريخ مليء بسوابق مماثلة:
في حرب الخليج الأولى، قصفت قوات التحالف الجسور ومصافي النفط العراقية لأنها كانت تُستخدم في دعم آلة الحرب ‘ في كوسوفو عام 1998 ، قصف الناتو جسور على الدانوب لمنع القوات الصربية من المناورة. في البوسنة، استُهدفت سكك الحديد والجسور التي تغذي حصار سراييفو.
كل هذه الحالات جرت تحت مبدأ قانوني واحد: “إذا فُقدت الحماية المدنية بالاستخدام العسكري، يصبح الاستهداف مشروعًا ضمن قواعد التناسب والضرورة.”
وفق تحليل افتراضي، وفي حال تعطّلت خطوط الإمداد العسكرية عبر كوبري كوستي لأي سبب – طبيعي أو بفعل الحرب – فإن التأثيرات ستكون عميقة على واقع الصراع. الجيش سيواجه:
انقطاع الإمداد لاكتر من شهرين على الأقل.
نقص الذخائر والوقود في دارفور وكردفان لفترة ليست قليلة تتيح للطرف الأخرى استهداف قواعدهم العسكرية المعتدية .
تفكك تنسيق القيادة المركزية مع القوات غرب النيل.
ارتفاع معدلات الانسحاب أو الانشقاق نتيجة العزل الميداني.
أما مكاسب القوات تأسيس في حال استغلال هذا التراجع ستكون جغرافية ونفسية، وتوزعت افتراضًا كما يلي:
الإقليم التأثير خلال أسبوعين التأثير خلال شهر
النيل الأبيض انسحاب من ربك والموانئ فقدان السيطرة جنوبًا بالكامل
النيل الأزرق شلل وقود وانكشاف باو تراجع بري بنسبة 80 %
كردفان شلل مدفعي ولوجستي سيطرة قوات تأسيس على جنوب كردفان
دارفور عزلة واستنزاف و تراجع بنسبة كبيرة غير متوقعة و و ذلك في فترة زمنية قصيرة جدا
لكن لا ينبغي تفسير هذا التحليل كموقف تعبوي أو تحريضي. بل هو محاولة لفهم كيف تؤدي عسكرة المنشآت المدنية إلى قلب الحماية القانونية رأسًا على عقب، وتضع الدولة المعتدية أمام تداعيات قراراتها، وليس خصومها.


