
لم تكن المفاوضات التي استضافتها سويسرا بين الولايات المتحدة وإيران مجرد محطة لمناقشة البرنامج النووي أو ملفات التوتر الإقليمي، بل كشفت أيضا عن تباين واضح في الطريقة التي تدير بها الدول صورتها السياسية أمام العالم.
ففي مثل هذه اللقاءات، لا تقتصر الرسائل على ما يقال داخل قاعات التفاوض، بل تمتد إلى ما يُعرض أمام الكاميرات. وهنا برز اختلاف لافت بين نهجين متباينين في إدارة العلاقات الدولية.
الوفد الإيراني تعامل مع المشهد بحذر شديد، حيث غابت الصور العلنية وتراجع الحضور الإعلامي إلى الحد الأدنى، وكأن توثيق اللقاء بحد ذاته يمثل عبئا سياسيا يحتاج إلى إدارة دقيقة.ط، ويعكس ذلك إشكالية مزمنة تواجهها طهران، تتمثل في التناقض بين الخطاب التعبوي الذي ظل لعقود يرفع شعارات المواجهة مع الولايات المتحدة، وبين واقع سياسي يفرض الحوار والتفاوض والتفاهم عند الضرورة.
في المقابل، تقدم الإمارات نموذجا مختلفا يقوم على الوضوح والثقة. فعندما تستقبل أبوظبي مسؤولين أمريكيين أو قادة دوليين، يجري ذلك بصورة معلنة وأمام وسائل الإعلام، دون حساسية أو محاولة لإخفاء المشهد. والسبب لا يعود فقط إلى طبيعة العلاقة الثنائية، بل إلى نهج سياسي يقوم على أن الدبلوماسية ليست تنازلا، وإنما أداة لحماية المصالح الوطنية وتعزيز المكانة الدولية.
هذا النهج يعكس ثقة الدولة في سياساتها وقدرتها على شرح خياراتها لشعبها وللعالم، دون الحاجة إلى الفصل بين الخطاب المعلن والممارسة الفعلية. فالدول التي تبني علاقاتها الخارجية على المصالح الواضحة والاحترام المتبادل لا تخشى الصورة، لأنها تنسجم مع رسالتها السياسية، بينما تصبح الصورة مصدر قلق عندما تكشف فجوة بين الشعارات والواقع.
ومن هنا، فإن الفارق الحقيقي لا يكمن فقط في نتائج مفاوضات سويسرا أو مآلاتها المستقبلية، بل في الطريقة التي تنظر بها كل دولة إلى الدبلوماسية نفسها: هل هي ممارسة طبيعية تُدار بثقة وشفافية، أم ملف حساس يُفضَّل أن يبقى بعيدًا عن عدسات الكاميرات؟
في عالم أصبحت فيه الصورة جزءا من السياسة، تبدو الثقة والوضوح عنصرين لا يقلان أهمية عن مضمون التفاوض ذاته، وهما عنصران نجحت الإمارات في ترسيخهما كجزء من هويتها الدبلوماسية خلال السنوات الأخيرة.



