
لم يعد ممكناً قراءة المشهد السوداني بمعزل عن أدوار القوى الإقليمية، ولاتجاهل التحولات في مواقف الدول التي كانت حتى وقت قريب تقدّم نفسها كوسطاء أو داعمين لمسارات الحل السياسي.
فالسعودية، التي لعبت من قبل أدوارا بارزة في محاولات الوساطة لاحتواء الحرب في السودان ، تبدو اليوم وكأنها اختارت موقعاً مختلفاً، أقرب إلى التماهي مع الموقف المصري المتقارب مع “الإخوان”، في لحظة مفصلية تتطلب وضوحاً لا لبس فيه.
هذا التحول والتماهي مع جماعة ” الإخوان”، يثير تساؤلات عميقة حول طبيعة الحسابات التي تحكم الموقف السعودي، وحول حدود التزامها تجاه مسار السلام في السودان. فالصمت، في سياق كهذا، لا يمكن اعتباره حياداً، بل يتحول بحكم الوقائع إلى موقف سياسي يحمل دلالات ثقيلة، خاصة عندما يقترن بتصاعد أدوار “القاهرة” في دعم جماعة”الإخوان”.
والأكثر مفارقة أن القاهرة، التي تحظر نشاط جماعة الإخوان داخل أراضيها وتلاحق المنتمين إليها ، لا تجد حرجاً في دعم ذات الجماعة خارج حدودها، بل وتوفير غطاء سياسي وأمني له في السودان.
فالقاهرة تحتضن اخطر قيادات الإخوان من بينها صلاح قوش، الذي تحيط به اتهامات خطيرة تتعلق بتهريب السلاح. هذا التناقض الصارخ لا يعكس ازدواجية في المعايير فحسب، بل يكشف عن براغماتية سياسية حادة تتجاوز الشعارات المعلنة، وتعيد تعريف التحالفات وفق منطق المصالح لا المبادئ.
والقاهرة اعلنت موقفها مبكراً، بل ذهبت أبعد من ذلك عبر انخراط مباشر بحسب تقارير متعددة في مسار العمليات العسكرية. فقد أشارت معطيات متداولة إلى مشاركة طيرانها الحربي في غارات استهدفت مواقع داخل الخرطوم، ومصفاة الجيلي، وجبل موية، إلى جانب اتهامات بالمساهمة في تدمير بنى تحتية حيوية مثل كبري شمبات.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، إذ جرى الحديث عن فتح الأراضي المصرية كمنصة لانطلاق عمليات عسكرية، بما في ذلك استخدام الطائرات المسيّرة، ويعزز هذه الصورة ما كشفه تقرير استقصائي نشرته صحيفة نيويورك تايمز، أعده عدد من الصحفيين، وسلّط الضوء على مؤشرات خطيرة تتعلق باستخدام أراضٍ داخل مصر كقاعدة لعمليات مرتبطة بالحرب في السودان.
مثل هذه المعطيات، لا تعني فقط تدخلاً مباشراً، بل تشير إلى انزلاق خطير نحو تدويل النزاع وتحويله إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية، فالحرب في السودان لم تعد مجرد صراع داخلي على السلطة، بل تحولت إلى نقطة تقاطع لمصالح متشابكة، تتداخل فيها ملفات الأمن الإقليمي، والتوازنات السياسية، وحتى قضايا استراتيجية مثل ملف المياه والعلاقة مع أديس أبابا.
لذلك، يصبح صمت السعودية عن تورط “القاهرة” تماهياً مع . فغياب موقف واضح لا يخلق فراغاً فحسب، بل يتيح أيضاً لأطراف أخرى إعادة تشكيل المشهد بما يخدم مصالحها الخاصة. كما أنه يضع علامات استفهام حول مدى استعداد القوى الإقليمية لتحمل مسؤولياتها الأخلاقية والسياسية، ليس فقط تجاه السودان، بل تجاه استقرار الإقليم ككل.
إن تغليب المصالح الجيوسياسية الضيقة على حساب استقرار الشعوب لم يعد خياراً يمكن تبريره، خاصة في ظل الكارثة الإنسانية المتفاقمة في السودان. فاستمرار هذا النهج لا يهدد مستقبل البلاد وحدها، بل يحمل في طياته مخاطر حقيقية على الأمن الإقليمي، ويفتح الباب أمام مزيد من التصعيد وعدم الاستقرار.
فالسعودية، التي اختارت التزام صمت “خجول” تجاه التدخل المصري الواضح والعدائي في الشأن السوداني، تفقد من منظور الاتساق الأخلاقي حقها في انتقاد تدويل الحرب في السودان، خاصة وأنها باتت، عمليا، جزءا من ذات الأزمة التي تحذر منها.



