مقالات واراء

الدولة المتعالية على مواطنيها ليست دولة ( مواطنة متساوية )

محمد على احمد عبد الكريم "مهلة"

 هذا البلد السودان به مفارقات عجيبة، إذ أن حق الانتماء الوطني فيه يتجاوز وجودك الشخصي الفردي، مصادَر عند اشتداد الصراع على امتياز السلطة والثروة، فالأفندية الذين ورثوا سلطتهم من المستعمر عملوا على صياغة سياسات وقوانين تفرق المواطنيين علي أسس اجتماعية ونوعية، والمفارقة المضحكة المبكية هي سطو بعض الأفندية على مصطلح ومفهوم ” السوداني ” والذي كان يقصد به أولئك الأفراد المنحدرين من المجتمعات التي تشكلت من واقع علاقات الرق. فالسودانيون حينها تعني المحررين من الرق . كان بعض السودانيين الآخرين خارج هذا المجتمع لا يقبلون بمناداتهم بسوداني، ويقولون أنهم لهم قبائل ويفضلون مناداتهم بقبائلهم.

 ولكن ! عندما أصبحت هنالك وظائف قيادية عليا في الدولة، وهنالك وعي بامتياز للسلطة والثروة، قام بعض هؤلاء الأفندية بتفصيل سياسات وقوانين متحيزة لاحتكار حق الانتماء وحق الوصف بالسودانية. وفي تقديري أن أول مواجهتين لصراع الامتيازات كانت من مجتمعين الأول؛ هو مجتمع الأحرار القادمين من علاقات الرق والثاني مجتمع العمال الزراعيين بالمشاريع الزراعية المروية.

 لقد كانت مواجهات مجتمع المتحررين من الرق ظاهرة للعيان في موضوع المؤسسة العسكرية (قوة دفاع السودان) وتسريح بعض الكتائب السودانية، وأيضا في بناء المؤسسات السياسية والثقافية بالمدن . فكانت الكتلة السوداء، وسجالات ومرافعات ابناء عشري صديق، وبناء المدن والمدنية – والديوم تحكي كل شيئ.

 أما مجتمع العمال الزراعيين فكانت ثاني المواجهات حيث تم إشهار سيف التغّريب والدمغ بالأجنبية بعد تلك الفترة الحرجة من تاريخ تطور مشروع الجزيرة، وهي فترة نهاية العشرينات وبداية الثلاثينات والتي كانت فترة الكساد العظيم الذي وصلت فيه أسعار القطن إلي أدني مستوي لها. فتهرب المزارعين عن مواصلة زراعة القطن لمصانع لانكشير البريطانية. وحينها بدأت عملية تمليك مجتمعات العمال الزراعيين للحواشات حتي بلغوا الثلاثة ألف، ومنها بدأ صراع امتياز التمليك والتوظيف، فبدأت النخبة الوارثة تفصيل سياسات وقوانين حرمان مجتمعات العمال الزراعيين من هذه الحقوق، فأصدر مكي عباس أول مدير سوداني لمشروع الجزيرة قرارين من إدارة المشروع : الأول هو عدم توريث ملكيات الحواشات لأبناء أولئك الذين مُلِكوا لها في السابق وهم من مجتمعات العمال الزراعيين، والقرار الثاني؛ هو الا يوظفوا بوظيفة بها راتب بالمشروع. ومنها تخمرت فكرة صياغة القانون العنصري للجنسية السودانية . والمفارقة أن تعديل قانون الجنسية العنصري لم يرتبط بانصاف هؤلاء العمال الزراعيين. ولكنه كان في سياق آخر ويا للعجب .

 حادثة السواكنية … وبداية تعديل قانون الجنسية السودانية

• تاريخنا حافل بنماذج لممارسات قانونية وإدارية و سياسية حزبية تعمل علي ( حرمان أفراد ومجموعات ) من حق الإنتماء السوداني عبر صياغات قانونية لقانون الجنسية السوداني، وممارسات إدارية تصادر الحقوق كالتملك والتوظف، ومواقف لمكايدات سياسية وكسب حزبي رخيص يلازم الحملات الإنتخابية . نجد جزء ذلك يوثقه المؤلفان أحمد إبراهيم أبو شوك والفاتح عبدالله عبد السلام في كتابهما – الانتخابات البرلمانية في السودان – عند تناولهما لتأثير قضية الجنسية السودانية عبر المكايدات السياسية والكسب الحزبي الرخيص في مسار العملية الإنتخابية في مراحل الطعون في قوائم الناخبين والمرشحين في إنتخابات ١٩٥٨م.

• فيما عرفت بحادثة (السواكنية) أصدر قاضي محكمة بورتسودان الجزئية حكما يقضي بعدم أهلية ترشيح الأستاذ (محمد عبد الجواد) و الأستاذ (علي بازرعة) و آخرين … وعلل ذلك الحكم بقوله ( انه مقتنع بأن والد كل من عبدالجواد و بازرعة قد حضرا إلي السودان قبل المهدية، و لكن القانون يقول : أن الذين حضروا قبل المهدية لا يعتبرون سودانيين إلا اذا قدموا وثيقة قانونية من البلد الذي هاجروا منه تثبت انهم لم تعد لهم صله بهذا البلد . وأن قانون الجنسية السودانية للعام ١٩٤٨م يعرف السوداني بأنه : الشخص الذي إستوطن في السودان منذ ٣١ ديسمبر ١٨٩٧م، و بذلك صنف معظم المهاجرين الذين إستقروا في السودان بعد ذلك التاريخ بأنهم غير سودانيين.

• المحكمة العليا ألغت الحكم الصادر من محكمة بورتسودان الجزئية وسمحت للترشح لعبد الجواد وبازرعة والآخرين .

• تداركا لتلك المشكلة من ناحية قانونية و سياسية تم تعديل قانون الجنسية السودانية في يوليو ١٩٥٧م، وبموجب ذلك التعديل أضحي كل من وُلد في السودان ووالده ولد في السودان أهلا للحصول علي الجنسية السودانية.

• قال المحامي مبارك زروق : ( أنني شخصيا أتمني لو أن هذه الحوادث المؤسفة لم تقع إطلاقا و في بورتسودان بالذات و بين السواكنية أولئك المواطنون الوطنيون الذين عرفناهم باحساسهم سودانيين من صميم هذا السودان و عرفناهم، بل عرف السودان أجمع مشاركتهم في الحركة الوطنية ) .

 والي الآن نلاحظ إستمرار نزعة احتكار حق الانتماء ولكنها ضد مجتمعات أخري طالما اقتربت من امتياز السلطة والثروة . والمبكي أن هذه السلطة وامتيازاتها طوال تاريخها موظفة في عمليات الهدم ، لا عمليات البناء .

 لقد آن الآوان لبناء دولة جديدة تستمد وجودها من مواطنة المواطنين وتبني قوانيها وسياساتها وفقا لذلك، لتكون حقا دولة المواطنة المتساوية.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى