
أنا أرى أن الإمام الصادق عليه الرحمة لو كان شاهداً على حرب الكرامة الكيزانية الفاجرة لوقف موقف الحبيب برمة ناصر ذاته، وفي وقت مبكر قبل أن تحدث حرب الإخوان المسلمين شقوقها السياسية والاجتماعية الغائرة، فهي حرب فالتة العقال بلا أي سقوفات أخلاقية أو وطنية أو حتى إنسانية، بلغ فيها فجور “الجبهجية” مبلغا عظيماً في بشاعتها وعنفها المادي والهيكلي.
عندما أدرك الإمام والادراك مرحلة متقدمة من الفهم كيف باءت كل محاولاته المتكررة في إثناء عصابة الجبهة بقيادة المغامر حسن الترابي في تجريف الحياة السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، لصالح مشروع إيديولوجي اقصائي بغيض بالعنف والتصفيات، وبيوت الأشباح، والتشريد وفصل الآلاف المؤلفة من الخدمة المدنية والعسكرية، فيما عرف وقتها بالتمكين الاسلاموي وإعادة صياغة المجتمع، وتفتيت الطبقة الوسطى، وتكسير كل المشاريع الاقتصادية الإنتاجية كمشروع الجزيرة وغيره، ومكنوا الجبهجية في مفاصل الدولة والسوق والاقتصاد، واستولوا عليها بالكامل كما قال عمر البشير في تسريبات الأسرار الكبرى لدرجة أن قال مزهوا هي الدولة دي حقت منو، وأنها أصبحت تحت سيطرة الإخوان بالكامل.
عندها قرر الإمام الخروج في تهتدون، وتحالف مع الحركة الشعبية بقيادة الراحل الدكتور جون قرنق وبقية القوى المدنية التي حملت السلاح في وجه عصابة الجبهة الإسلامية التي حولت الجيش لجناح عسكري وأمانة من أمانات الحركة الإسلامية يأتمر بأوامر جبهحية التنظيم الإخواني، وصغار الضباط أمثال إبراهيم شمس الدين بعد فصل آلاف الضباط، واستمر التجمع الوطني الديمقراطي يقاتل الإخوان في جبهات قتال مختلفة إلى أن انصاعت الجماعة الإسلاموية تكتيكيا إلى الحوار، وانتهى التجمع الوطني الديمقراطي بالطريقة التي تعلمونها.
وجريا بالقول وما يجري في حرب كرامتهم المزعومة من خطاب ودعاية وإعلام حربي يقومان على الابتزاز والإرهاب والتطرف الفاجر، كان مجرد ذكر جون قرنق تتبادر صورة ذهنية لشيطان بقرون لدى الكثيرين من شدة ما صورته دعاية وخطاب الجماعة الإسلامية، وأنه عدو الإسلام الأول، وحرموا عليه مراضع القهوة “الجبنة” في الأغنية الشهيرة، فما بالك بالتحالف معه في التجمع الوطني الديمقراطي، وقد جندوا كل ماكينة دعاية الحركة الإسلامية كما يفعلون الآن تماما في الاغتيال المعنوي لقيادات التجمع الوطني الديمقراطي عموما، والإمام الصادق المهدي على وجه الخصوص، وفي نهاية الأمر انتهت الحرب بالتفاوض مع الحركة الشعبية، لكن بعد مقتل أكثر من 2 مليون في الجنوب.
والمضحك المبكي أن قطاع عريض من الكيزان والبلابسة الجدد، وضعوا قرون جون قرنق في رأس عبد العزيز الحلو بعد توقيعه على الميثاق التأسيسي مباشرة وشيطنوه، وسلبوه حقه في أن يقف الموقف الذي يراه هو وقيادة الحركة الشعبية شمال صحيحا، وهو الذي ظل يقاتل لحوالي 40 سنة.
الأمر نفسه عندما استنفد حزب الأمة بقيادة برمة ناصر كل المحاولات المتكرره في اثناء عصابة الإخوان بقيادة المغامر علي كرتي، وهو أقل إمكانيات من المغامر الكبير حسن الترابي، ودشن كرتي وعصابته نسخة الإنقاذ الثانية وهي أكثر وحشية وتطرف من الأولى بمراحل بعيدة، وقد وجد علي كرتي الطريق امامه ممهدا أكثر من حسن الترابي، أموال مجنبة ضخمة لسنوات، وجنرالات عبارة عن خواتم في أصابع يده، مدفوعا بالخديوي المتعجل لوأد الثورة، بالمناسبة على كرتي كان قد غازل الخديوي بأرض السودان الخالية ليوطن فيها المزارعين عندما كان وزيراً للخارجية، وتلاقات الأحلام – حلم والد البرهان، وحلم الخديوي، وحلم علي كرتي – فكان كابوس الشعب السوداني المرعب الذي يعيشه الآن منذ طلقة المدينة الرياضية المشؤمة، وقد افشلت جماعة الإخوان المسلمين كل محاولات القوى السياسية المدنية لوقف “اب كباس” الحرب الذي يمسك بخناق الشعب السوداني، من جدة حتى جنيف.
والكل يعرف وخاصة الإسلاميين أن كرتي صعد إلى قيادة الحركة الإسلامية بطريقة ملتوية وبروافع غير رافعة الكفاءة والاستحقاق، وقد كتبت من قبل الحرب بسنتين تقريبا أن علي كرتي سيورد الإسلاميين مورد الهلاك إن لم يسرعوا في لجم طموحه والتخلص منه وقد كان.
توقعت في خضم الخراب الذي احدثته حرب الحركة الإسلامية أن يلتقط الحبيب صديق الصادق هذه اللحظة التاريخية الحرجة من تاريخ بلادنا، ويقف موقف الإمام في وجه نسخة الانقاذ الأولى، ضد نسخة الإنقاذ الثانية الوحشية التي سدت فيها جماعة المغامر كرتي أي طريق للحل، ونكلت وذبحت فيها قيادات حزب الأمة والأبرياء من أبناء الشعب السوداني من الوريد إلى الوريد، وأبادوا فيها الأطفال والنساء بقصف الطيران في مناطق جماهير حزب الأمة.
وللأمانة صديق الصادق له موقف محترم ضد هذه الحرب الفاجرة وظل يعمل بلا كلل ولا ملل مسنودا بقبول واحترام ومواقف في حزب الأمة وخارج حزب الأمة، وقد تعرض لمحاولات اغتيال معنوي من إعلام ودعاية حرب الكرامة الكيزانية المزعومة عدة مرات، لكنه تثاقل في التقاط اللحظة التاريخية التي تضعه في عتبه القيادة، وهو الذي لا تعوذه لا الشجاعة ولا القراءة الصحيحة لاهتبال ذلك، وبتهتدون الثانية.


