تقارير وحوارات

اسامة سعيد: تصنيف “الإخوان” يعيد رسم خريطة التحالفات الإقليمية بين محورين متنافسين

إدراك _ المحرر

في خطوة تحمل أبعاد سياسية وإقليمية عميقة، يفتح قرار تصنيف جماعة الإخوان المسلمين في السودان الباب أمام تحولات محتملة في علاقات السلطة في بورتسودان الخارجية، وسط تباين وأوضح في مواقف القوى الإقليمية من الجماعة.

فبينما يتوقع أن يسهم القرار في تعزيز التقارب مع دول تتبنى موقفًا معاديًا للإخوان، مثل الإمارات والسعودية، فإنه في المقابل قد يثير تحفظات دول أخرى، كتركيا وقطر، التي تحتفظ بعلاقات مع أطراف محسوبة على الجماعة.

وفي هذا السياق، يرى رئيس حزب مؤتمر البجا المعارض و القيادي بتحالف “تأسيس” الأستاذ أسامة سعيد في حواره مع صحيفة “إدراك”، أن هذا التطور يعكس إحتمال دخول السودان مرحلة إصطفاف إقليمي أكثر وضوحًا، قد يعيد تشكيل توازناته الخارجية، ويؤثر على مستوى إنخراط شركائه الإقليميين في ملفاته السياسية والإقتصادية، في ظل بيئة إقليمية تتسم بقدر عال من الاستقطاب.

كيف يمكن أن يؤثر قرار تصنيف الإخوان جماعة إرهابية على توازن القوى داخل السودان؟

تشير المعطيات إلى أن تصنيف جماعة الإخوان المسلمين وجناحها العسكري، كتيبة البراء، كمنظمات إرهابية أجنبية سيُحدث تأثيرات عميقة على المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية داخل البلاد.

فعلى الصعيد السياسي، إذا وصلت العلاقة بين النظام وواشنطون إلى مرحلة القطيعة الكاملة، فإن هذا التصنيف يعكس وضع النظام في موقعه الحقيقي ضمن خارطة النظام الدولي، خاصة إذا ارتبط بإدراجه ضمن قائمة الدول الراعية للإرهاب. وهذا التطور ستكون له تداعيات كبيرة، إذ يعمّق عزلة النظام ويحدّ من قدرته على المناورة السياسية إقليميًا ودوليًا.

أما من الناحية الاقتصادية، فإن مثل هذا التصنيف سيؤدي إلى تضييق الخناق على مصادر التمويل، عبر قطع القنوات التي تمد النظام بالموارد اللازمة للاستمرار، إضافة إلى تعطيل سلاسل الإمداد، بما في ذلك تلك المرتبطة بالمؤسسة العسكرية. وتجربة العقوبات السابقة على نظام الإنقاذ تمثل مثالًا واضحًا، حيث ساهمت الضغوط الاقتصادية والسياسية بشكل كبير في إضعافه، وكانت من العوامل التي مهّدت لاندلاع ثورة ديسمبر 2018 التي أطاحت به.

وعسكريًا، من المتوقع أن ينعكس هذا التصنيف بشكل مباشر على وضع الجيش، خاصة في ظل الاتهامات بسيطرة الحركة الإسلامية عليه. إذ سيجد نفسه أمام خيارين: إما الانخراط في عملية تفاوضية جادة لوقف الحرب، أو مواجهة عزلة دولية متزايدة وضغوطًا قد تمتد إلى مستويات غير مسبوقة.

كما أن الأثر لن يقتصر على الولايات المتحدة وحدها، بل قد يتسع نطاقه ليشمل دولًا أخرى، خاصة في ظل توجه بعض البرلمانات الأوروبية لمناقشة أو اعتماد تصنيفات مماثلة، وهو ما قد يفضي إلى موقف أوروبي موحد في هذا الاتجاه.وبناءً على ذلك، يمكن القول إن هذا التصنيف، إذا تم، لن يكون مجرد إجراء رمزي، بل خطوة ذات تبعات استراتيجية قد تسهم في إعادة تشكيل المشهد السياسي والعسكري، وربما تدفع نحو إنهاء الحرب وفتح مسار جديد لتحقيق السلام في البلاد.

ما الفرق بين التأثير القانوني والتأثير السياسي لمثل هذا القرار على الأرض؟

هنالك تداعيات قانونية وسياسية واسعة ومباشرة.فعلى الصعيد القانوني، يتمثل الأثر الأبرز في تجميد الأصول المالية، سواء كانت مملوكة لأفراد أو لشركات مرتبطة بالحركة، إلى جانب فرض حظر صارم على أي تمويل أو دعم مالي لها. كما يترتب على هذا التصنيف تجريم الانتماء إلى الحركة أو دعمها، وهو ما قد يعرض الأفراد المرتبطين بها للملاحقة الجنائية وفق القوانين الوطنية والدولية. كذلك، قد تفرض قيود على السفر والهجرة بحق المنتمين أو المشتبه بصلتهم بالحركة. ومن التداعيات المهمة أيضًا تعزيز التعاون الدولي، حيث تميل دول أخرى إلى تبني تصنيفات مماثلة، ما يؤدي إلى توسيع نطاق الإجراءات القانونية ضد الحركة على المستوى العالمي.

أما سياسيًا، فمن المرجح أن تواجه الحركة عزلة دولية متزايدة، بما يحد من قدرتها على التواصل والتأثير خارج الحدود. كما قد يتعرض الجيش لضغوط سياسية ودولية متصاعدة، في ظل اتهامات بوجود صلات أو تأثير للحركة الإسلامية داخله. ومن النتائج المهمة كذلك استبعاد الحركة وواجهاتها المختلفة من أي عملية سياسية مستقبلية، باعتبار أن التصنيف كمنظمة إرهابية يجعل مشاركتها في الحياة السياسية أمرًا مرفوضًا دوليًا. إضافة إلى ذلك، ستتأثر العلاقات الخارجية، خاصة مع الدول التي كانت تربطها علاقات مباشرة أو غير مباشرة بالتنظيم، حيث قد تتجه هذه الدول إلى قطع أو تقليص تلك الروابط التزامًا بالتصنيف الجديد.

بشكل عام، فإن مثل هذا القرار لا يقتصر أثره على الإطار القانوني فقط، بل يمتد ليعيد تشكيل المشهد السياسي الداخلي والعلاقات الإقليمية والدولية المرتبطة بالحركة.

هل يمكن أن يدفع هذا التصنيف الإخوان إلى العمل السري أو التحالف مع أطراف أخرى؟

تصنيف الإخوان أوحظرها سيقود بالضرورة إلى إنهاء حضورها السياسي أوالفكري ظاهرياً، ولكنه قد يدفعها إلى التحول نحو العمل السري، وإعادة ترتيب صفوفها بعيدًا عن أعين الرقابة الرسمية.

والتجربة السودانية نفسها، كما تجارب دول أخرى، تُظهر أن الحركات ذات الطابع الأيديولوجي العميق لا تزول بقرارات إدارية أو أمنية، بل تمتلك قدرة عالية على التكيف مع الضغوط، وتغيير أساليبها بما يضمن بقاءها واستمرار تأثيرها.فالخطر الحقيقي في الحالة السودانية لا يقتصر على عودة هذه التيارات إلى النشاط تحت الأرض، بل يمتد إلى احتمالية انخراطها في تحالفات جديدة، قد تكون أكثر تعقيدًا وخطورة. ففي ظل حالة السيولة السياسية والانقسام الحاد الذي يشهده السودان، يمكن لمثل هذه الجماعات أن تبحث عن شركاء جدد، سواء من داخل التيارات الإسلامية الأكثر تشددًا، أو حتى مع قوى أخرى تتقاطع معها مرحليًا في المصالح، رغم اختلاف الأهداف بعيدة المدى.

العلاقة بين الحزب الشيوعي والحركة الإسلامية لم تصل إلى مستوى الصراع المسلح، بل ظلت في إطار ما يمكن وصفه بـ”المخاشنات ” السياسية والفكرية

يشير بعض المحللين الي مقاربات إجتماعية بين الإخوان والشيوعيين خلال هذه الحرب_ هل برأيك من الممكن أن يتحالف الإخوان مع الشيوعيين “تحالف الأضداد” ؟

تُعد العلاقة بين الحزب الشيوعي والحركة الإسلامية في السودان علاقة معقدة وذات جذور تاريخية عميقة. فمن المعروف أن نشأة الحركة الإسلامية، بمختلف مسمياتها، جاءت بعد سنوات قليلة من تأسيس الحزب الشيوعي، كما أن هناك حالات إنتقال لعدد من الكوادر بين التنظيمين، حيث برزت شخصيات بدأت في صفوف الحزب الشيوعي ثم أصبحت لاحقًا ضمن قيادات الحركة الإسلامية.

وكذلك، يلاحظ وجود بعض أوجه التشابه في البناء التنظيمي والهياكل الداخلية بين الطرفين، وهو ما يعكس تأثرًا متبادلاً في أساليب العمل السياسي والتنظيمي. وعلى الرغم من أن العلاقة بينهما اتسمت في الغالب بالتنافس الحاد والمواجهات الفكرية والسياسية، إلا أنها لم تصل إلى مستوى الصراع المسلح، بل ظلت في إطار ما يمكن وصفه بـ”المخاشنات” السياسية والفكرية.

غير أن التحولات التي شهدها السودان، خاصة في سياق الحرب التي اندلعت في أبريل 2023، أفرزت واقعًا جديدًا في العلاقة بين الطرفين. إذ يرى بعض المراقبين أن هناك تقاطعًا في المواقف تجاه المؤسسة العسكرية، حيث يُنظر إلى الجيش باعتباره عنصرًا محوريًا في معادلة الصراع، بل ويُعده البعض ضامنًا لوحدة البلاد، رغم الجدل الكبير حول هذا الطرح.

في المقابل، تظل هذه الرؤية محل انتقاد واسع، خاصة في ظل الاتهامات الموجهة للجيش بالضلوع في نزاعات داخلية وانتهاكات في مناطق متعددة من السودان، مثل دارفور والمنطقتين وشرق البلاد. كما أن الأحداث الجارية خلال الحرب الحالية، بما فيها الانتهاكات التي تطال المدنيين، تزيد من حدة هذا الجدل وتطرح تساؤلات عميقة حول دور الجيش ومستقبله.

وانطلاقًا من ذلك، يرى منتقدون أن قراءة الحزب الشيوعي لمجريات الحرب ولموقعه منها تحتاج إلى مراجعة، خاصة فيما يتعلق بتعريفه لدور الجيش وموقفه من القوى المتحالفة معه. كما يطرح هؤلاء ضرورة إعادة تقييم هذه المواقف في ضوء تأثيرها على مستقبل الحزب السياسي، وعلى قضايا أوسع مثل الوحدة الوطنية وبناء دولة عادلة ومستقرة في السودان.

إلى أي مدى يمكن أن يستغل الجيش هذا القرار لإعادة تشكيل المشهد السياسي؟

يمكن أن يستغل الجيش هذا القرار بدرجات متفاوتة تبعًا لطبيعة القرار نفسه، وردود الفعل الداخلية والإقليمية عليه. ففي الحد الأدنى، قد يسعى إلى توظيفه لتعزيز موقعه كفاعل رئيسي لا يمكن تجاوزه في المعادلة السياسية، ولكن فإن موقف قيادة الجيش السوداني وعلاقته الوثيقة بالحركة الإسلامية وضع البلاد في موقع حساس ضمن محور يُنظر إليه على أنه معادٍ لاستقرار المنطقة والسلام الإقليمي والدولي. هذا الوضع لا يقتصر تأثيره على السياق المحلي فحسب، بل يمتد ليشمل آثاراً بعيدة المدى على مستقبل السودان السياسي والاقتصادي والاجتماعي، بما في ذلك تحديات محتملة في مسارات الانتقال الديمقراطي، علاقات السودان مع جيرانه، واستقراره في إطار المجتمع الدولي.”

كيف سينعكس القرار على علاقات السودان الإقليمية، خاصة مع الدول التي لديها مواقف مختلفة من الإخوان؟

سيؤدي تصنيف الإخوان افي السودان إلى إعادة تشكيل خريطة علاقاته الإقليمية، حيث ستتباين ردود الفعل بحسب مواقف الدول من الجماعة. فمن جهة، من المتوقع أن يعزز هذا القرار علاقات السودان مع دول مثل الإمارات والسعودية، التي تتبنى موقفًا معاديًا للإخوان، وقد يفتح ذلك المجال أمام دعم سياسي واقتصادي أكبر من هذه الدول، خاصة إذا اعتُبر القرار انسجامًا مع توجهاتها الأمنية والإيديولوجية.

في المقابل، قد يثير القرار توترًا في علاقات السودان مع دول أخرى مثل تركيا وقطر، التي لا تصنف الإخوان كمنظمة إرهابية، بل تحتفظ بعلاقات مع أطراف محسوبة عليها. وقد يُنظر إلى الخطوة باعتبارها اصطفافًا سياسيًا إقليميًا، مما قد يدفع هذه الدول إلى تقليص تعاونها أو إعادة تقييم مستوى انخراطها في السودان.

ما هي أبرز نقاط التأثير غير المباشر على السودان نتيجة الحرب بين واشنطون وطهران؟

من المهم فهم الجذور التاريخية للعلاقة بين إيران والحركة الإسلامية، بما في ذلك جماعة الإخوان المسلمين. هذه العلاقة قديمة، وتعود إلى ما قبل الثورة الإيرانية عام 1979، حيث جمع لقاء شهير بين الخميني وحسن الترابي في إيران. وقد قامت الثورة الإيرانية على مفهوم الإسلام السياسي، وهو ذات الأساس الفكري الذي انطلقت منه حركات الإخوان المسلمين في مختلف أنحاء العالم.

فعقب الانقلاب في السودان، كانت إيران من أوائل الدول التي اعترفت به، باعتباره من وجهة نظرها ثورة إسلامية سنية تتقاطع مع مشروعها، وتتكامل معه في إطار إنتاج وتصدير مفهوم الإسلام السياسي وبناء الدولة الدينية. ويُعد هذا الرابط الأيديولوجي هو الأساس في العلاقة بين الطرفين.

وقد تعززت هذه العلاقة بزيارة رفسنجاني إلى السودان عام 1991، حيث رافقه خبراء إيرانيون ساهموا في بناء المنظومات الأمنية والعسكرية. ويمكن ملاحظة التشابه بين قوات الدفاع الشعبي السودانية والحرس الثوري الإيراني، كما أن العديد من الأجهزة الأمنية أُنشئت وفق النموذج الإيراني. واستمرت هذه الشراكة عبر مختلف الرؤساء الإيرانيين، من رفسنجاني إلى خامنئي وأحمدي نجاد، من خلال اتفاقيات أمنية وعسكرية هدفت إلى ترسيخ النظام السوداني.

وتُوّج هذا التعاون بإنشاء منظومة التصنيع الحربي في السودان، التي اعتمدت على التمويل والخبرة الإيرانية، وكان الهدف منها أن تكون السودان قاعدة عسكرية لإيران خارج حدودها، على غرار وجودها في سوريا ولبنان واليمن. ومن أبرز نتائج هذا التعاون إنشاء مصنع اليرموك، الذي يُعتقد أنه كان جزءًا من برنامج للصواريخ، وقد تم تدميره في هجوم إسرائيلي.

ورغم إعلان السودان لاحقًا قطع علاقاته مع إيران، إلا أن هذه العلاقة إستمرت وفق ما يُطرح بشكل غير معلن، قبل أن يعيد الجيش السوداني بقيادة البرهان تفعيلها بعد اندلاع الحرب. ويُشار إلى أن الدعم الإيراني، خاصة في مجال الطائرات المسيّرة مثل “مهاجر 6” والذخائر، أصبح عنصرًا مهمًا في قدرات الجيش خلال الحرب.

في المقابل، أعلن تحالف “تأسيس” موقفًا واضحًا على لسان رئيس المجلس الرئاسي محمد حمدان دقلو بإدانة أي اعتداء على دول الخليج، والتأكيد على الوقوف إلى جانبها. كما تم تداول تصريحات من بعض قادة الجيش والحركة الإسلامية تُظهر دعمًا لإيران، وهو ما يعكس بحسب هذا الطرح اصطفافًا سياسيًا وعسكريًا معها.

وكيف يمكن أن تؤثر الحرب على تدفقات السلاح أو التحالفات داخل السودان؟

هذا الوضع له تداعيات كبيرة على السودان والمنطقة، إذ قد يؤدي إلى إصطفاف دولي جديد، يضع الجيش السوداني والحركة الإسلامية في مواجهة مع المجتمع الدولي ودول الخليج. ومن شأن ذلك أن ينعكس على الدعم الخارجي، عبر تقليص التمويل وقطع سلاسل الإمداد، خاصة إذا تم النظر إلى الجيش باعتباره خاضعًا لتوجهات الحركة الإسلامية وليس كمؤسسة وطنية مستقلة.

كما أن هذا التحول قد يؤثر بشكل مباشر على فرص السلام في السودان، حيث إن وقف الإمداد العسكري وفك الارتباط مع التنظيمات الأيديولوجية يمكن أن يسهم في إنهاء الحرب. ويرى هذا الطرح أن الأحداث الجارية كشفت طبيعة الصراع، وأكدت تقييم بعض القوى السياسية التي اعتبرت منذ البداية أن الحرب ذات طابع أيديولوجي مرتبط بالحركة الإسلامية.

كيف تقيَّم إستهداف الجيش للمرافق المدنية مثل المستشفيات والأسواق في إطار القانون الدولي الإنساني؟

إستهداف الجيش للمرافق المدنية مثل المستشفيات والأسواق يشكل خرقاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني. فالمستشفيات محمية بشكل واضح بموجب إتفاقيات جنيف والبروتوكولات الإضافية، ولا يجوز ضربها وكذلك الأسواق المزدحمة بالمدنيين محمية، ولا يمكن تحويلها إلى أهداف عسكرية. وحادثة قصف مستشفى الضعين من قبل الجيش كانت مثالًا لهذه الإنتهاكات التي يقوم بها الجيش ضد المدنيين في عدد من مناطق مأهولة بالسكان بناء علي خطاب التنميط والتمييز الإجتماعي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى