
في هذا المنعطف الحرج من تاريخ وطننا، تقف الكلمات عاجزة أمام حجم المأساة التي نعيشها، وتتعثر الأقلام حين تحاول أن ترسم وجع الأرض ودموع الأمهات وصرخات الأطفال في الأزقة المحترقة. وطنٌ يتلوّى تحت أنقاض الحرب، وأحلام أبنائه معلقة على حبال الأمل المهترئة.
ما بين مدن أكلتها النيران، وقرى هجرتها الحياة، تتبدّى صورة الوطن كجسدٍ مثقّل بالجراح، تتنازعه الأطماع، وتنهشه الخلافات، في غياب عقلٍ جامع وقلبٍ يُؤثِر مصلحة الجميع. لم يعد السؤال عن من المسؤول فقط، بل أصبح عن من المستعد أن يتقدم خطوة نحو الوطن، لا نحو الكرسي.
في هذا المشهد المظلم، يزداد الاشمئزاز الشعبي من “ناس الحل في البل”، تلك العبارة التي فقدت معناها وصارت مثار سخرية وألم بين الناس الطيبين الذين ذاقوا ويلات الحرب والخذلان. أما البرهان، فإن ذمّته السياسية باتت في حاجةٍ ماسّة للرجوع إلى صوت العقل، بعدما أدخل البلاد في أتون حرب لعينة تطورت إلى مرحلة جديدة؛ حرب تقنية، مقطوعة الصلة بالدبلوماسية، ومعزولة عن منطق السياسة الراشدة.
ومع ذلك، لا تزال جذوة الأمل حاضرة، في عيون الشباب المتعلمين، في مبادرات الصلح الأهلي، في صوت امرأة تهدهد صغيرها وتهمس له بأن “بكرا أحلى”، في معلم يشرح دروسه تحت شجرة، وفي طبيب يداوي بجراحه قلوب النازحين.
إن اللحظة التي نعيشها تتطلب منا أن نعيد تعريف الانتماء، وأن نغرس مفهوماً جديداً للوطنية، لا يقوم على الشعارات، بل على الفعل: فعل البناء، لا الهدم؛ فعل التلاقي، لا التشظي؛ فعل الحياة، لا الاستسلام للموت المجاني.
الوطن لا يُباع ولا يُشترى، الوطن لا يُختصر في قبيلة أو جهة، الوطن يسكن فينا… فهل نسكن فيه كما يليق؟


