مقالات واراء

اما حكاية ! الدلوكة.. صوت كادوقلي القديم

ايهاب مادبو

في هذا الفيديو الرائع لاتبدو الدلوكة مجرد إيقاع، بل تظهر وكأنها قلب جماعي ينبض بذاكرة كادوقلي القديمة، ذلك النبض الذي كانت تعرفه “حسناوات كادوقلي” حين يتحول الرقص إلى لغة اجتماعية كاملة، وحين يصبح الإيقاع وسيلة للاحتفال والبوح والتحدي معا.

الإيقاع هنا قائم على ذلك اللحن الدائري المعروف في غناء الدلوكة، لكنه يحمل خصوصية جبال النوبة من حيث الإيقاع، ثم التحول السريع. تظهر خشونة محببة في الصوت، كأن جلد الدلوكة يحتفظ بغبار الساحات القديمة ،فالضرب علي الدلوكة ليس حادا أو صاخب بقدر ما هو ممتلئ ومشبع بالحنين .

ما يلفت فنيا وهي ملاحظتي خلال مشاهدتي لهذا النوع في فترة زمنية سابقة، إن العلاقة مابين الحركة والإيقاع؛ فالمغنيات لايتبعن ايقاع الدلوكة فقط، بل يشاركنها صناعة الزمن الموسيقي، فكل “هزة” كتف أو التفاتة بالرأس تبدو وكأنها “جواب” على نداء الطبلة، وهذا من أهم مايميز الدلوكة في كادوقلي، فالموسيقى لا تسمع فقط، بل ترى في الجسد ولغته.

حسناوات كادوقلي وهذا ليس حديثا من باب التباهي أو المبالغة العاطفية بل حقيقة يعرفها كل من استمع اليهن أو جالسهن عن قرب،يتمتعن بخامات صوتية نادرة تحمل دفء البيئة وصدق التعبير وعفوية الأداء.

أصوات تنبع من الوجدان مباشرة، فيها قوة الأرض ورهافة الإحساس معا، وتملك قدرة فطرية على مزج الغناء بالحضور الاجتماعي والإنساني، لذلك لم يكن صوت المرأة في كادوقلي مجرد أداة للغناء، بل كان جزءا من ذاكرة المكان وروحه، وامتدادا طبيعيا لإيقاعات المنطقة وتفاعلاتها الثقافية.

إيقاع الدلوكة يواجه اليوم خطر التآكل تحت ضغط الموسيقى الإلكترونية السريعة، لأن الدلوكة بشكلها التقليدي تحتاج إلى “نفس طويل” وإلى “حناجر”تحتشد بالجمال والي مساحات إنسانية وضحكات وتبادل نظرات.

هذا الفيديو يبدو كوثيقة وجدانية ، تعيد التذكير بأن الفن في كادوقلي لم يكون ترفا، بل كان جزءا من تكوين الهوية نفسها، إنه إيقاع يمشي على الأرض حافيا، لكنه يصل إلى الروح مباشرة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى