سقوط الأقنعة: الدولة العميقة والحركة الإسلامية بين الجريمة المنظمة وإبادة السودان
إسماعيل هجانة

القتل جريمة لا تسقط بالتقادم، وأي عملية تصفية فردية أو جماعية مدانة ومرفوضة تمامًا، مهما كانت الجهة المنفذة.
لكننا منذ وقت مبكر رفعنا الصوت عاليًا نحذر من الجرائم الانتقائية المنظمة، التي مورست عبر قوانين عنصرية مثل “الوجوه الغريبة” و”المتعاونون والداعمون”، والتي كانت غطاءً قذرًا لاستهداف إثنيات محددة من أبناء غرب السودان تحت سمع وبصر الجميع.
ما يحدث اليوم، وما جرى في أم درمان في 26 أبريل 2025، ليس حدثًا معزولًا عن هذا المسار الدموي الطويل؛ بل هو نتيجة حتمية لثقافة إجرامية رعيت، ودعمت، وشرعنت بواسطة الدولة العميقة المنحازة وعصابات النهب والفساد، ومن ورائها الحركة الإسلامية، كواحدة من أخطر المؤسسات الإجرامية التي مرت على تاريخ السودان القديم والحديث.
لم تكن الحركة الإسلامية مجرد تنظيم ديني، بل كانت ولا تزال جهازًا أمنيًا سياسيًا يدير الجريمة المنظمة بوعي وتخطيط، مستخدمة شعارات الدين كستار لنهب الثروات، وقتل الأبرياء، وتمزيق النسيج الوطني.
وقد أدرك هذه الحقيقة حتى من كانوا من داخل دائرتهم، حين صرّح راشد الغنوشي، عند مغادرته السودان عقب خلافه مع الإخوان المسلمين وجناحهم السياسي، قائلاً:
“إن الحركة الإسلامية في السودان تدير الجريمة المنظمة بوعي، وإنها ستورد البلاد موارد الهلاك والضياع.”
إن ما سُمي بمشروع “الدولة الرسالية” لم يكن سوى ستار قذر لتغطية عمليات القتل، والإقصاء، والتطهير العرقي الممنهج ضد أبناء السودان.
وقد بلغ التحريض الرسمي ذروته حين قال عبدالفتاح البرهان في أحد خطاباته:
“سنقضي على المجتمعات التي تساند الدعم السريع”،
في قمةٍ من قمم التحريض الإثني والمجتمعي، وهو تصريح خطير فتح الباب واسعًا أمام تبرير الجرائم المنظمة التي طالت المدنيين الأبرياء، سواء عبر التصفيات المباشرة، أو تلفيق التهم، أو قصف الطيران الذي أحرق ودمر مدنًا وقرى بكاملها، وتركها أثرًا بعد عين.
لقد أُحرقت قرى الكنابي في الجزيرة في ديسمبر 2024، وأُعدمت النساء والأطفال بدم بارد، وملأت الخرطوم بجثث الأبرياء الذين صفتهم “كتائب البراء” خلال حملات الإبادة المنظمة في أحياء جنوب الخرطوم وأم درمان القديمة، بينما الجماهير المتواطئة كانت تهتف وتصفق لهذه المجازر، فقط لأن الضحايا لم يكونوا من أبناء مركزهم.
إن هذه الحرب دخلت مرحلة جديدة لم يعرفها السودان من قبل، مرحلة يغذيها الغبن المتراكم، والدم المسفوح بلا حساب.
لقد سقطت الدولة العميقة المنحازة، بكل واجهاتها العسكرية والأمنية والمدنية والاقتصادية والإعلامية والثقافية.
لقد فضحتها الحرب وكشفت حقيقتها القبيحة، بعد أن فشلت في مواصلة التستر الطويل الذي ظلت تمارسه لعقود.
لم تصبر أمام شهوة الهيمنة والعنصرية، فانفجرت على حقيقتها، وعبرت عن نفسها بصورة مفضوحة لا تخفى حتى على الأعمى.
سقطت الأقنعة، وسقط معها وهم الحياد، واتضح أن ما كان يسمى مؤسسات دولة، لم يكن إلا أدوات بطشٍ وهيمنة، لا تعرف سوى القتل والنهب والتمييز كوسيلة للبقاء.
وما زلت، وسأظل، أحمّل كامل المسؤولية لـ الدولة العميقة الخائنة، وللجماهير المشجعة للدم، الذين ساهموا جميعًا في شحن الكراهية، وتحويل آلة القتل إلى عقيدة سياسية ضد كل من ينتسب إلى غرب السودان.
لقد ظننتم أن الجرائم تمر بلا حساب، ولكن للتاريخ كلمته، وللدم ذاكرته التي لا تخون.
إننا حينما ندعو إلى تأسيس سودان جديدٍ قائمٍ على المواطنة الفيدرالية، والعدالة، والمساواة، فإنما نقطع الطريق أمام أولئك الذين يحاولون الاستمرار في الحكم عبر سفك دماء الأبرياء، وإشعال نيران الحرب، والعودة إلى كراسي السلطة فوق جماجم السودانيين.
إن مشروع العودة إلى الحكم عبر الحديد والنار والقتل، لم يعد مقبولًا في وجدان هذا الشعب، الذي أدرك اليوم أن سرقة موارده، والسيطرة المطلقة على ثروته وسلطته، جريمة موصوفة لن تمر.
لقد ولى زمن التسلط والتهميش، والسودانيون اليوم، على اختلاف جهاتهم وأعراقهم وإثنياتهم، يتطلعون إلى وطنٍ يليق بتضحياتهم، وطنٍ يسع الجميع، لا يحكمه جلاد، ولا تستباح فيه دماء البسطاء من أجل بقاء عصابات النهب والفساد.
لن نخون الذاكرة، ولن نغفر للقتلة.
وسننتصر للضحايا ونبني الوطن الجديد رغم أنف القتلة، من حرب 1955 إلى اليوم، ولن نسمح بالتعامل بانتقائية مع الضحايا أو المزاجية المنحازة.
الحكاية الأعمق من الحرب


