
الدستور السوداني أزمة ظلت ملازمة للسياسة السودانية، منذ استقلال السودان وحتى الآن، في رحلته المتأرجحة بين المؤقت والديمومة، وقعّت مكونات تحالف السودان التأسيسي (تأسيس) على الدستور الانتقالي لجمهورية السودان للعام2025م، شمل التوقيع حزب الأمة القومي، حزب الاتحادي الديمقراطي وقوى سياسية ومدنية أخرى إلى جانب الحركة الشعبية شمال بزعامة “عبد العزيز الحلو” والجبهة الثورية، الدعم السريع وحركات مسلحة أخرى وعدد من القوى المدنية، توافق على دستور انتقالي يضمن التنوع، ويحمي حكومة وحدة تسعى لإحلال السلام وتخفيف معاناة المواطنين.. دستور جديد من شأنه منح حكومة السلام الشرعية للقيام بمهام الدولة المدنية، ومشاركة القوى السياسية والمدنية في إدارة الواقع السياسي.
فشلت كل الحكومات السابقة والقوى السياسية في التأسيس لدستور دائم ملزم للجميع يكون مصدر للتشريع الأساسي للقوانين والقرارات
تحـديات الديمـومة
الباحث القانوني “سليمان عثمان” ذهب إلى أن أبرز التحديات التي تواجه إستقرار السودان، بسبب عدم وجود دستور دائم يستوعب المتغيرات السياسية، الاقتصادية والإجتماعية، فشلت كل الحكومات السابقة والقوى السياسية في التأسيس لدستور (دائم) مُلزم للجميع، يكون مصدراً للتشريع الأساسي للقوانين والقرارات، دستور يحمي الدولة من الانقلابيين عبر جيش قومي لا تتجاذبه الأهواء السياسية، الدستور الجديد للدولة السودانية، أشار لتأسيس وبناء دولة علمانية ديمقراطیة قائمة على الحرية والمساواة والعدالة، وحظر تأسیس أي حزب أو تنظیم سیاسي على أساس دیني، أو قیام أي حزب سیاسي أو تنظیم سیاسي بالدعاية السیاسیة على أساس دیني أو عنصري، واعتقد – والحديث لعثمان – أن (تأسيس) حسمت أكثر القضايا جدلاً في تأريخ السياسة السودانية، تلك المتعلقة بعلاقة الدين والدولة، التي خلقت صراعاً مريراً بين التيارات الدينية والمطالبين بحداثة الدولة.
ويمضي “سليمان” إلى أن حرب 15 أبريل أفرزت كثير من التداعيات الاجتماعية، والتفرقة على أساس العِرق والأثنية، شاهدنا كثير من حالات الاقصاء بسبب الجهة، وقوانين التمييز بين أبناء الوطن الواحد. (وثيقة التأسيس) وثقت لتجاوزات سلطة بورتسودان تجاه المواطنين، لذلك لم يكن غريباً أن يشدد الدستور على أن المواطنة المتساوية هي أساس الحقوق والواجبات الدستورية دون أدنى تمییز على أي أساس عرقي أو ديني أو ثقافي أو لغوي أو جهوي، وكفالة الحريات والالتزام بمواثیق حقوق الإنسان الدولیة، وخاصة العدالة الدولیة، كما تضمن الميثاق تأسیس نظام حكم لا مركزي حقیقي يقوم على الاعتراف بالحق الأصیل لجمیع الأقالیم في إدارة شؤونها السیاسیة والاقتصادية والثقافیة..
شُـبهة الإنقـسـام
مخاوف الإنقسام ظلت ملازمة لمرحلة (التأسيس) منذ خروجها عن (تقدم) من أجل مصلحة البناء، انفصال دولة جنوب السودان ظل غصة في حلق الدولة السودانية، انعقاد (نيروبي) أثار المخاوف مجدداً، لكن الدستور الموقع أمس لم يشر لأي مقترح نحو الانفصال، بل أسس لدولة سودانية، حيث جاء في مستويات الحكم ثلاث مستويات الاتحادي الإقليمي والحكم المحلي، ومنح الدستور مستويات الحكم المختلفة اختصاصات وسلطات حصرية ومشتركة وموارد يحددها القانون كما جوز لكلِ إقليم اختيار الاسم المناسب لمستوى الحكم المحلي.
الدستور ربما أزال أحلام الباحثين عن ذريعة لبث فتنة الانفصال، يؤكد الباحث والخبير القانوني “خالد التوم” أن الدستور عدّد ثمانية أقاليم للسودان الخرطوم، الشرقي، الشمالي، دارفور، الأوسط، كردفان، جنوب كردفان جبال النوبة، الفونج الجديد، مما يعني عدم وجود نوايا لفصل أو تقسيم البلاد، كما أقرّ الدستور أن يكون لكل إقليم دستور يراعى خصوصيته، دون المساس بطبيعة الدولة المنصوص عليها في الدستور،وهذا من شأنه تطويع القوانين حسب خصوصية المنطقة وثقافتها واعتقادها، وبشأن هياكل السلطة فقد نص الدستور على أن هياكل السلطة تتكون من الهيئة التشريعية التأسيسية وهي سلطة تشريعية مستقلة تتكون من مجلسي الأقاليم والنواب، حيث يتكون مجلس الأقاليم من (24) عضواً، ويتكون مجلس النواب من (177) عضواً. ويُراعى في تكوين الهيئة التشريعية التأسيسية تمثيل مكونات الشعوب السودانية بعدالة، على ان يمثل النساء في الهيئة التشريعية التأسيسية بنسبة لا تقل عن (40%).. ومن رأيي أن نظام الحكم الذي اقره الدستور يتيح أكبر مشاركة للمناطق ويتيح لها مساحة حكم ذاتي بعيدا عن إملاءات النخبة المركزية.

قـوى مـؤثرة
الأمين العام للحركة الشعبية لتحرير السودان شمال “عمار اموم” ذهب إلى أن التوقيع على الميثاق التأسيسي والدستور، يعني بداية عهد جديد ومؤشر لبناء السودان الجديد، الذي نتمنى أن يكون معافيا من أمراض السودان القديم التي لازمته أكثر من سبعين عاما من عمر استقلاله المزيف، الوحدة التي كانت قائمة لم تكن طوعية، والأحداث التي لازمت السودان طيلة الفترة الماضية، تؤكد أنه لم يكن هنالك مشروع وطني جامع يلتف حوله الشعب السوداني طواعية، أما فيما يخص العلمانية، فهي ليست ضد الدين أو كفر وإلحاد، لكن الأنظمة العلمانية هي الوحيدة التي تُبنى العدالة فيها على الحقوق، الأنظمة التي لا تفرق بين المواطنين على أساس ديني، وتفرق بين الدين كفضاء خاص، والدولة كفضاء عام ملك للجميع.
الحزب القومي السوداني اعتبر التوقيع على الدستور الإنتقالي حدثاً تاريخياً ويمهد الطريق لانهاء الحرب، وقال أمين العلاقات الخارجية بالحزب القومي السوداني، المهندس “هاشم طيار” أن الفترة المقبلة ستشهد انفتاحاً كبيرا للقوى الموقعة على الميثاق لوضع نهاية للحرب والعمل على تاسيس جبهة عريضة للتحول المدني والديمقراطي. مؤكدا أن الدستور الإنتقالي استجاب لتطلعات الشعوب السودانية كافة والتي ظلت الانظمة المركزية والنخب تتقاضي عنها، وإن الميثاق التاسيسي والدستور الإنتقالي سيفتحان صفحة جديدة للحياة السياسية في السودان. ومهام الحكومة الإنتقالية تحقيق السلام ووقف الحرب وتقديم المساعدات الإنسانية ومعالجة الآثار التي نجمت عن الحرب التي اشعلتها الحركة الإسلامية.
آمـال العـبور
دستور وإن جاء في أوضاع حرب مُستعرة، إلا أنه يعتبر إضافة جادة لتغيير التأريخ السوداني، والعبور بالحاضر إلى مساحات أوسع، الدستور الجديد وضع (خيل) التغيير أمام عربة القوى السياسية، أيمانها بضرورة التغيير رهان يقع على عاتق القوى والكيانات المسلحة التي ناضلت من أجل ما تم صياغته في الدستور الجديد.. تُرى هل يُنهي الأزمة التشريعية بالبلاد..؟ ويقطع الطريق أمام الانقلابيين..؟ وهل يحقق أحلام الشعب السوداني في وقف الحرب وتوفير الأمن؟ تساؤلات تنتظر تشكيل الحكومة القادمة..



