كادقلى… الملف الاسود…لضحايا الطابورالخامس(8) الغياب الأبدي للأستاذ عصمت خير السيد
إيهاب مادبو

الطابور الخامس ( Fifth column) مصطلح متداول في أدبيات العلوم السياسية والاجتماعية نشأ أثناء الحرب الأهلية الأسبانية التي نشبت عام (1936 ) واستمرت ثلاث سنوات وأول من أطلق هذا التعبير هو الجنرال “إميليو مولا” أحد قادة القوات الوطنية الزاحفة على مدريد وكانت تتكون من أربعة طوابير من الثوار فقال حينها إن هناك طابورًا خامسًا يعمل مع الوطنيين لجيش الجنرال “فرانكو” ضد الحكومة التي كانت ذات ميول ماركسية يسارية من داخل مدريد ويقصد به “مؤيدي فرانكو” من الشعب، وبعدها ترسخ هذا المعنى في الاعتماد على الجواسيس في الحرب الباردة بين المعسكرين الاشتراكى والراسمالى)…
” هذه سلسلة من مشاهد لجراحات المنطقة المؤلمة لحد الفجيعة لجرائم ارتكبت بحق الإنسانية بما يمكن وصفها بجرائم الابادة الجماعية وهى ماتجعل مرتكبيها مجرمين حرب يجب ان يخضعوا لمفهوم العدالة الإنتقالية تأسيسا لانتقال يسهم فى بناء دولة تقوم على الحقيقة والمصالحة , وهذا النوع من الجرائم لايمكن ان يسقط بالتقادم لأن آثار الجريمة هنا مستمرة بإستمرار الآجيال “
في فصلٍ من فصول الخريف الممطر الذي أشتهرت به مدينة كادقلي في بداية التسعينات، كانت سموات المدينة قد تلبّدت بالسحب الممطرة التي حولت المدينة الي ليلٍ غائمٍ ببروق الحزن الشديد ، ووقتها كانت كادقلي تمثّل عروس المدائن بحلتها الخضراء المحرّضة للفرح والجمال والحب.
في تلك الفترة من الزمان عاشت كادقلي فترة عصيبة من الخوف والتوجس من المجهول، حيث أن ليالي السمر قد تحولت الي احاديث ومشاهد تراجيدية عن الحملة الشرسة للإستخبارات ضد المواطنين بتهمة الطابور الخامس، تحوّل المجتمع الي خلية من الخوف والإضطراب من افراد الإستخبارات الذين تعارف علي تسميتهم وسط المجتمع بـ” الإستيك” او ” الألف سين”، وهي إختصار للحروف الاولي من كلمة الإستخبارات العسكرية.
عصمت حسن خير السيد استاذ الرياضيات بمدرسة كادقلي الثانوية “تلو” ، كان شعلة من النشاط والحيوية والأبداع الذي لاتقيده مسائل الرياضيات المعقدة ، كان الأستاذ عصمت مولعاً بالفنون من رسم وغناء ،لذا فقد اهتم بالنشاط الادبي بالمدرسة وكان يترجم بنقرشته علي العود اسمي آيات الحب والجمال.
بجانب ذلك فإن الاستاذ عصمت محبوباً بين الجميع خارج فصول الدراسة، حيث إنه كان شحنة من الحيوية والنشاط ، واذكر إن اسمه كثيراً ماتردد باغنيات الدلوكة أنذاك
بريد البريدوني
بشاغلهم بعيوني
انا ببكي وبترمّد
عشان خاطرك ياعصمت
وفي صباح الثلاثاء عمّ المدينة خبر إعتقال الاستاذ عصمت من قبل الإستخبارات العسكرية من منزله بحي الرديف الي حامية كادقلي ، انتشر الخبر كالنار في الهشيم وذلك للقيمة الإنسانية لعصمت بين مجتمعات المدنية التي تحكّر بداوخلها مشيدا له منزلاً عامراً بالحب والإنسانية ، وبحسب المعلومات التي تبرع بها من شاهدونه وهو مقيداً ومكبلاً بالسلاسل ، فإن عربة لاندروفر حضرت الي منزله في مساءٍ شاحب الغيوم واقتحمت المنزل واقتادت معهم الاستاذ عصمت الذي لوّح اليهم بإبتسامته الاخير.
حاولت اسرة الشهيد عصمت الاتصال بقيادة الكتيبة (121) هجانة ، الإ إنهم واجهوا بالصد والعبارات المكتوبة علي جدار الحائط” ماتسمعه وتراه هنا اتركه هنا” ، لم تيأس الاسرة وسلكت كل الدروب لمعرفة تفاصيل حياة إبنها ولكن دون جدوي من السؤال الممنوع الذي يقود صاحبه الي الرمي بخور العفن.
تطاولت المدة علي إختفاء الاستاذ عصمت عن الحياة ، وحدثني رقيب اول معاش بالإستخبارات يدعي “ح،ع” إن المقبوض عليهم في تلك الفترة من التسعينات ،يقوم ضابط الإستخبارات بفتح محضر للتحري يكتب فيه إسم الضحية والإتهام ” الطابور الخامس” ثم يوقع علي المحضر بالقلم الأحمر عبارة ” يفسّح” وهي الشفرة التي يفك طلاسمها خور العفن الذي شكّل مسرحا لعمليات التصفيات الجسدية للمثقفين من ابناء النوبة تحت تهمة الطابور الخامس.



