
كما بدأت فتوى ضد عثمان بن عفان بإشعال فتيل النار الأولى، فانفجرت بحور الدماء التي لم تهدأ لخمسة قرون، يشهد السودان اليوم في بورتسودان مشهداً مكرراً لتراجيديا لم يُسدل عليها الستار. وكأن فتوى واحدة كافية لتحويل الدين من منارة هداية إلى سيف بتار، يقطع أواصر الإسلاميين ويفتح باب التكفير على مصراعيه. وكما كشف الكاتب والمفكر إبراهيم عيسى في كتابه “حروب الرحماء: القتلة الأوائل”، فإن الدين حين يُستغل كسلاح في صراعات السلطة، يصبح وقودًا لحروب لا تنتهي، تقطع صلة الإنسان بروح الدين الحقيقية. دوامة العنف والتكفير تلك، التي طالما نهشت فينا كوحش جائع، تعيد بناء نفسها اليوم، تلتهم ما تبقى من وطن جريح، وتتركنا على أطراف هاوية بلا نهاية.
منذ انقلاب 1989، الذي أدارته الحركة الإسلامية بقيادة عمر البشير، تحول السودان إلى دولة تقودها أيديولوجيا الإسلام السياسي. لم يكن الجيش السوداني بعيدًا عن هذا المشروع؛ بل كان أحد أهم أدواته عبر سياسة “التمكين”، التي حولت الجيش من مؤسسة وطنية إلى ميليشيا تعمل لخدمة الإخوان المسلمين. اليوم، وبعد أكثر من ثلاثة عقود، يعاني السودان من عواقب تلك السياسات. الجيش، الذي أصبح رمزًا للتفكك السياسي والعسكري، يعاني من انقسامات حادة بين فصائل إسلامية متصارعة، وهو ما يهدد بانهيار شامل للدولة السودانية.
عندما وصل الإسلاميون إلى السلطة في انقلاب 1989، كانت لديهم خطة واضحة: الاستيلاء على مفاصل الدولة عبر ما أسموه “التمكين”. هذه السياسة تضمنت إقصاء الخصوم السياسيين، حيث تم طرد جميع المعارضين من مؤسسات الدولة، بما في ذلك الجيش، وإعادة هيكلة الجيش بتعيين قادة عسكريين ينتمون إلى الحركة الإسلامية أو يدينون لها بالولاء، بالإضافة إلى إدخال عناصر مدنية مرتبطة بالإسلاميين وتدريبهم وإلحاقهم بصفوف الجيش. بحلول منتصف التسعينيات، كان الجيش السوداني أصبح أداة في يد القيادة الإسلامية، معتمداً بشكل كبير على ميليشيات مدربة تدين بالولاء للإخوان المسلمين.
سياسة التمكين أدت إلى تراجع المهنية العسكرية مع طرد القادة العسكريين المستقلين، وزيادة الولاءات الأيديولوجية، حيث باتت القرارات تُتخذ بناءً على المصالح الحزبية أكثر من المصالح الوطنية، بالإضافة إلى ضعف التماسك الداخلي مع صعود الإسلاميين وتنافسهم على النفوذ داخل المؤسسة العسكرية.
في عام 1999، شهد السودان أول انشقاق كبير داخل الحركة الإسلامية. الصراع بين عمر البشير وحسن الترابي، زعيم الحركة الإسلامية، أدى إلى انقسام الحركة إلى جناحين: جناح “القصر”، الموالي للبشير والمؤيد لسيطرة الجيش و كان رأسهم مقدم مذكرة العشرة التي أدت الى نهايات الصراع و كانت ( القندول الشنقل الريكة ) بقيادة غازي العتباني و على عثمان طه وكان من الطرائف ان السودانين ينشدون في سخرية أغنية الكابلي ( ياعلي تكبر تشيل حملي ) فكبر على شاله هو ذاته و لم يشيل حمله فقط، وجناح “المنشية”، بقيادة الترابي، الذي أراد الاستقلال عن الجيش وإعادة تشكيل السلطة السياسية. مع انحياز غالبية الجيش لجناح البشير، بدأ الإسلاميون المؤيدون للترابي بتشكيل ميليشيات موازية، ما زاد من انعدام الثقة داخل المؤسسة العسكرية .
في عام 2019، أدى الحراك الشعبي إلى الإطاحة بعمر البشير. لكن الجيش بقي تحت سيطرة الإسلاميين الذين أعادوا ترتيب صفوفهم داخل المؤسسة. عبد الفتاح البرهان، قائد الجيش، أصبح الوجه الجديد للحركة الإسلامية داخل المؤسسة العسكرية. رغم خلفيته الإسلامية، أصبح البرهان هدفاً لانتقادات الإسلاميين الأكثر تشددًا.
بعد أن أنقذته مجموعة البراء الإسلامية من حصار قوات الدعم السريع داخل القيادة العامة، تحول إلى خصم داخلي. شخصيات مثل يوسف عبد الحي وصفت البرهان بالخائن، فيما اعتبرته شخصيات أخرى مثل سناء حمد “جثة هامدة”، في إشارة الى عجزه و هو محاصر داخل القصر الجمهوري من قبل الدعم السريع الى ان أخرجوه في عملية ( السفنجة )
من يجقم من أصبحت بورتسودان مركزًا رئيسيًا للصراعات بين الفصائل الإسلامية. المدينة، التي تعد شريانًا اقتصاديًا للسودان و مركز للحكم بعد نزوح البرهان و حكومته اليها ، تحولت إلى ساحة لتصفية الحسابات بين الإسلاميين، مما يعكس حجم التوتر الداخلي داخل الحركة الإسلامية والجيش الموالي لها. مجموعة البراء الإسلامية، التي أنقذت البرهان من الحصار في القيادة العامة عبر عملية درامية شملت تهريبه سباحة في النيل، لم تعد حليفةً له.
اليوم، تقف المجموعة في مواجهة مفتوحة معه، متهمةً إياه بالخروج عن المشروع الإسلامي. أصبحت المدينة ساحة للخطابات التكفيرية والتحالفات المتغيرة. مع تصاعد الخطاب بين شخصيات مثل عبد الحي يوسف، الذي يدعم الفصائل الأكثر تطرفًا، وسناء حمد، التي تمثل جناحًا براغماتيًا، تبدو المدينة وكأنها انعكاس مصغر للصراعات التي تمزق السودان.
يوسف عبد الحي، الذي يمثل التيار الأكثر تطرفًا داخل الإسلاميين و يقف وراءه شباب الحركة الإسلامية الحامل للسلاح في ساحة المعركة ، صعد من حدة الصراع عبر اتهام البرهان بالخيانة والكفر. هذا الخطاب التكفيري لم يكن مجرد تعبير عن خلاف سياسي؛ بل يعكس الانقسام الأيديولوجي العميق بين التيارات الإسلامية التي باتت ترى بعضها كأعداء أيديولوجيين. لم يبق البرهان صامتًا، بل وصف عبد الحي بـ”التكفيري”، محذرًا من استغلال الدين لتقويض الجيش. هذه المواجهة الخطابية تعكس مدى هشاشة العلاقة بين قادة الإسلاميين أنفسهم، خاصة داخل المؤسسة العسكرية التي تعتمد على الدين كعنصر توحيد.
في تسعينيات القرن الماضي، أدى الصراع بين الإسلاميين أنفسهم، وبينهم وبين الدولة الجزائرية، إلى ما يعرف بـ”العشرية السوداء”، حيث قُتل عشرات الآلاف وشُرد الملايين. الصراعات الأيديولوجية والولاءات المتعددة داخل الفصائل الإسلامية كانت من بين الأسباب الرئيسية لهذا الانهيار. بعد الإطاحة بمحمد مرسي في 2013، عانت جماعة الإخوان المسلمين من انقسامات حادة بين جناح يؤيد المواجهة المسلحة مع الدولة، وآخر يسعى إلى المصالحة السياسية. هذا الانقسام أضعف الجماعة وجعلها هدفًا سهلاً لقمع الدولة. تشير هذه التجارب إلى أن انقسامات الإسلاميين، عندما تترافق مع تدخل الجيش، تؤدي دائمًا إلى انهيار سياسي وأمني شامل. السودان ليس استثناءً؛ فالجيش الممكّن أيديولوجيًا يواجه الآن صراعات داخلية تهدد بتكرار سيناريوهات مشابهة.
بل بس
الانقسامات داخل الجيش السوداني والحركة الإسلامية ستؤدي حتمًا إلى تفجر الصراع بين الفصائل المتناحرة. من المؤكد أن السودان سيشهد معارك دامية بين جناح البرهان والكباشي، المدعوم من تيارات إسلامية معتدلة، وجناح ياسر العطا الذي يمثل الفصائل الأكثر تطرفًا. هذه المواجهات لن تكون مجرد احتمالات، بل واقعًا مؤلمًا، وستسيل الدماء في قلب مدينة بورتسودان وشوارعها، تمامًا كما رأينا في أحداث 15 أبريل. استمرار هذا الصراع سيمزق الدولة إلى أشلاء، حيث ستتحول بورتسودان والخرطوم إلى ساحات حرب مفتوحة، مما يدفع السودان نحو انهيار شامل وتحوله إلى كانتونات غير مستقرة. ومع تزايد شراسة المعارك، ستتدخل قوى إقليمية مثل مصر أو الإمارات لدعم أحد الأطراف، بينما تسعى القوى الغربية لتقليص نفوذ الإسلاميين عبر دعم حركات مدنية أو معارضة. لكن هذا التدخل سيزيد من تعقيد الأزمة بدلًا من حلها، تاركًا البلاد في دوامة لا نهاية لها من العنف والانهيار.
السودان يقف اليوم أمام مفترق طرق خطير. الانقسامات داخل الجيش، الذي تحول منذ 1989 إلى ذراع للإسلاميين، تعكس الصراع العميق داخل الحركة الإسلامية نفسها. بين خطاب التكفير، التمكين، والانقسامات العسكرية، يبدو السودان أقرب من أي وقت مضى إلى الدخول في حرب أهلية شاملة. مع غياب أي قيادة قادرة على توحيد الصفوف، يبقى مستقبل السودان معلقًا في الهواء، وسط أزمات متفاقمة وتحديات متزايدة على المستويين المحلي والدولي. في النهاية، الحل الوحيد لتجنب الانهيار يكمن في إعادة هيكلة الدولة و بناء جيش وطني جديد بعيدًا عن الأيديولوجيا، لكن هذا الحل يبدو بعيد المنال في ظل الظروف الراهنة.


