مقالات واراء

ناقوس الخطر: تقسيم جديد يلوح في الأفق بعد انفصال الجنوب بسبب قرارات نظام بورتسودان

عمار نجم الدين

وجود نظامين ماليين منفصلين نتيجة الحرب بين الدعم السريع والحكومة السودانية قد يؤدي إلى عواقب اقتصادية واجتماعية كبيرة على السودان، خاصة مع تصاعد حدة الانقسامات الإدارية والجغرافية. يجدر بالذكر أن رهان جماعة الإخوان المسلمين على إشعال الحرب منذ بداية الثورة، وتهديدهم بإشعال الصراع إذا لم يعودوا إلى الحكم، كان جزءاً من المسار الذي أوصل السودان إلى هذه النتيجة الكارثية. لقد عملوا على إثارة الانقسامات والنزاعات كوسيلة للضغط والابتزاز من أجل استعادة السلطة، مما أدى إلى تفاقم الوضع الأمني والسياسي بشكل غير مسبوق.

التأثيرات الاقتصادية الناتجة عن فصل النظام المالي:

• إذا اعتمدت الحكومة سياسة تغيير العملة لجعل مناطق سيطرة الدعم السريع خارج النظام المالي الرسمي، فقد يؤدي ذلك إلى انهيار القيمة الاقتصادية في تلك المناطق، مما يضعف قدرتها على التفاعل التجاري مع بقية البلاد. هذا العزل المالي سيؤدي إلى ارتفاع تكلفة السلع الأساسية في تلك المناطق، وازدياد الفقر بسبب تقييد التدفق النقدي الرسمي إليها.

• قد تتجه مناطق سيطرة الدعم السريع إلى أنظمة اقتصادية موازية تعتمد على العملات الأجنبية أو السلع كوسيلة للتبادل، ما يعزز الاقتصاد غير الرسمي ويضعف السيطرة الحكومية على المعاملات الاقتصادية. انخفاض إيرادات الدولة بنسبة 85% منذ بدء الحرب، وتوقع ارتفاع نسبة الفقر إلى أكثر من 90% يعكس هذا التأثير.

التأثيرات على الاقتصاد الوطني:

• فصل المناطق تحت سيطرة الدعم السريع عن النظام المالي سيزيد من أعباء الحكومة في تقديم الخدمات الأساسية، حيث ستعتمد تلك المناطق بشكل كبير على المساعدات الخارجية أو التهريب، مما يزيد من التكلفة التشغيلية للدولة ويعمق العجز المالي. الحكومة غير قادرة على دفع الرواتب بنسبة تصل إلى 50% بسبب انخفاض الإيرادات، وقد توقف صرف الرواتب في بعض القطاعات، مثل التعليم والصحة، منذ عدة أشهر.

• توقف حوالي 1000 منشأة اقتصادية عن العمل بسبب الدمار في مجالات الصناعة والتجارة والغذاء والدواء، مع خسائر مالية تقدر من 20 مليار دولار إلى أكثر من 200 مليار دولار، مما يعكس تدهور الاقتصاد الوطني.

تراجع الصادرات وتدهور قيمة العملة:

• انخفضت الصادرات السودانية بنسبة 60%، وتوقف إنتاج الذهب من 18 طناً إلى طنين، ما أدى إلى فقدان عائدات تعادل 50% من الصادرات، أي حوالي ملياري دولار.

• تعرّض 100 فرع من المصارف للنهب والتدمير، مع نهب ما يزيد عن 38% من الأموال في الخرطوم وحدها، مما أدى إلى نقص حاد في السيولة وتآكل قيمة العملة المحلية بنسبة 56.15%. تراجع سعر صرف الجنيه من 570 جنيهاً إلى 1300 جنيه مقابل الدولار، مما زاد من تكلفة السلع والخدمات.

خسائر اقتصادية كلية:

• القطاع المصرفي يواجه صعوبات في إدارة ديونه بسبب تدمير ونهب الشركات الكبرى. تعرض البنية التحتية والمعلوماتية لخسائر تقدر بحوالي 36 مليار دولار، وخسائر القطاع الزراعي تقدر بأكثر من 20 مليار دولار، والقطاع الصناعي بحوالي 15 مليار دولار، بينما القطاع الصحي تضرر بما يقارب 13 مليار دولار.

التأثير على وحدة السودان:

• وجود أنظمة مالية متعددة قد يؤدي إلى خلق اقتصاديات متوازية تتناقض في سياساتها النقدية، ما يعزز الانقسامات الداخلية ويضعف الحكومة المركزية. كما قد يؤدي هذا الأمر إلى ظهور أسواق سوداء للعملات أو أنظمة مالية موازية، ما يضعف سيادة العملة الوطنية ويعيق قدرة السودان على الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي.

أهمية وقف الحرب والعودة إلى طاولة المفاوضات:

• في ظل هذا الواقع، بات وقف الحرب والعودة الفورية إلى طاولة المفاوضات الشاملة برعاية دولية ضرورة حتمية. تُسيطر قوات الدعم السريع على مناطق استراتيجية غنية بالموارد الاقتصادية الحيوية، مثل الثروة الحيوانية والصمغ العربي والمعادن، ما يمنحها نفوذًا اقتصاديًا كبيرًا. وبالمثل، تسيطر الحركة الشعبية بقيادة عبد العزيز الحلو على مناطق غنية بالموارد في النيل الأزرق وجبال النوبة، ومع تمسك الحركة الشعبية بحق تقرير المصير، فإنها لم تصل بعد إلى مرحلة إعلان مكتمل لانفصال سياسي، و لكن هل سوف تصمد الحركة الشعبية امام الضغوطات الإنسانية و المجاعة في إقليمي جبال النوبة و النيل الأزرق ونقص الأدوية أبعاد بل ندرتها في ظل الأزمات الإنسانية المتزايدة.

• إذا استمرت هذه القوى في طريق إنشاء أنظمة اقتصادية وسياسية مستقلة، فإن ذلك سيعمق التفتت الداخلي للسودان ويزيد من المعاناة الإنسانية، خصوصًا في المناطق المتضررة من النزاع. لذا، فإن العودة إلى مفاوضات شاملة برعاية دولية قد تكون السبيل الوحيد لتجنيب السودان المزيد من الانقسام والانهيار الاقتصادي.

في الختام، قد يؤدي هذا التوجه إلى تصعيد التوترات وإضعاف الاقتصاد الوطني بشكل عام، مما يتطلب حلاً سياسيًا أكثر شمولية يستهدف دعم استقرار النظام المالي وتوحيد الأطر الاقتصادية في البلاد، بعيداً عن رهانات بعض الأطراف التي تتاجر بالحرب لتحقيق مصالحها على حساب استقرار السودان ووحدته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى