تقارير وحوارات

مبادرة نيويورك.. هل تمثل الفرصة الأخيرة أمام البرهان لإنهاء حرب السودان؟

تقرير : أحمد كفوتة

تعود الأزمة السودانية إلى واجهة الاهتمام الدولي مجدداً، مع تكثيف التحركات الدبلوماسية الرامية إلى وضع حد للحرب، بالتزامن مع اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الـ81 بمدينة نيويورك، وسط آمال بأن تفتح المبادرة الجديدة نافذة لإنهاء القتال الذي دخل عامه الرابع، وأفضى إلى واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم.

وأصدرت ست دول وهيئات إقليمية ودولية، هي الاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة، بياناً مشتركاً حددت فيه مسارين لإنهاء الحرب في السودان: الأول، التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار عبر مفاوضات بين طرفي القتال، والثاني، إطلاق حوار سياسي مدني شامل يحدد مستقبل الحكم ويمهد لانتقال سياسي سلمي، بعيداً عن هيمنة الأطراف المسلحة أو التدخلات الخارجية.

ويرى خبراء ومحللون أن الموقف الدولي الجديد يمثل محاولة أكثر جدية لإعادة تحريك المسار السياسي، بعد تعثر مبادرات سابقة، وسط اتهامات لقيادة الجيش بالتشدد ورفض مقترحات وقف إطلاق النار.

هل تنجح القوى الدولية في فرض قيود قوية تنجح من خلالها في فرض هدنة إنسانية في السودان

هل هي الفرصة الأخيرة؟

ويعقد كثير من السودانيين آمالاً على التحرك الدولي الجديد لإنهاء الحرب وفتح الطريق أمام مرحلة من التعافي وإعادة بناء الدولة، وصولاً إلى انتقال سياسي مدني يعيد ترتيب المشهد على أساس دولة القانون والمؤسسات، بدلاً من الاحتكام إلى القوة العسكرية والسلاح.

غير أن هذه الآمال تصطدم بمخاوف من تكرار سيناريو المبادرات السابقة، في حال تمسك قيادة الجيش بموقفها الرافض للتفاوض أو وضع شروط تحول دون التوصل إلى هدنة. ولذلك يطرح مراقبون سؤالاً أكثر إلحاحاً: هل تنجح القوى الدولية هذه المرة في دفع طرفي الحرب، وبصفة خاصة قيادة الجيش، إلى تقديم تنازلات تفتح الطريق أمام وقف القتال؟

“تأسيس” تدعم أي مسار لوقف الحرب

وفي ظل التحركات الدولية الجديدة، يبدو تحالف السودان التأسيسي من أكثر القوى السياسية استعداداً للتفاعل مع المبادرات الرامية إلى إنهاء الحرب.

ورغم عدم صدور بيان رسمي من التحالف بشأن المبادرة الجديدة حتى الآن، أكد رئيس اللجنة الإعلامية بتحالف السودان التأسيسي ورئيس حركة السودان الديمقراطية، حسب النبي محمود، في حديث لـ«إدراك»، أن موقف التحالف ثابت في دعم كل الجهود التي تستهدف وقف الحرب والوصول إلى حل سياسي شامل.

وقال محمود إن وقف الحرب في السودان يمثل ضرورة عاجلة، متهماً سلطة بورتسودان بالتعنت وعرقلة المبادرات الساعية إلى إنهاء القتال.

وأضاف أن الحرب دخلت عامها الرابع، بينما يعيش السودان واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، في ظل المجاعة والنزوح الجماعي واستهداف المدنيين والأسواق والمستشفيات والبنية التحتية.

وأشار إلى أن المجتمع الدولي، منذ مؤتمر برلين في أبريل 2026، مروراً بمواقف الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي، يؤكد بصورة متزايدة أن الطريق إلى إنهاء الأزمة يبدأ بوقف فوري للقتال وإطلاق عملية سياسية ذات ملكية سودانية.

من يتحمل مسؤولية استمرار الحرب…؟

ويرى “محمود” أن سلطة بورتسودان تتحمل جانباً كبيراً من مسؤولية استمرار الحرب، بسبب ما وصفه بعدم التجاوب مع مبادرات وقف إطلاق النار، وربط الهدنة بشروط تعرقل التقدم في مسار التفاوض، إلى جانب الاستمرار في التعويل على الخيار العسكري.

وقال إن كل يوم إضافي للحرب يعني مزيداً من الضحايا والنزوح والدمار، محذراً من أن استمرار القتال يهدد ما تبقى من مؤسسات الدولة والنسيج الاجتماعي في السودان.

رؤية “تأسيس” للحل الشامل

وحدد رئيس اللجنة الإعلامية لتحالف السودان التأسيسي عدداً من النقاط التي يرى التحالف أنها تمثل مدخلاً للحل، أبرزها:

 وقف فوري لإطلاق النار وإقرار هدنة إنسانية تضمن وصول المساعدات دون عوائق.
قبول المبادرات الدولية والإقليمية والانخراط في المفاوضات دون شروط تعجيزية.
إنشاء آلية دولية مستقلة لمراقبة وقف إطلاق النار والتحقق من الالتزام به.
حماية المدنيين ومحاسبة المسؤولين عن انتهاكات القانون الدولي الإنساني.
توحيد المسارات الدولية، بما فيها الرباعية والخماسية، وفرض كلفة سياسية على الأطراف التي تعرقل السلام أو تغذي الحرب بالسلاح.
إطلاق عملية سياسية شاملة تقودها القوى المدنية السودانية، وألا يُختزل مستقبل البلاد في تسوية بين مجموعات سياسية أو عسكرية محدودة.

وأكد محمود أن استمرار الحرب لن يقود إلى منتصر حقيقي، بل إلى مزيد من التفكك والمعاناة، قائلاً إن المسؤولية التاريخية تقع على من يملك قرار الحرب ويرفض اتخاذ قرار السلام.

تفاؤل حذر بالموقف الدولي

من جانبه، أبدى الباحث والمحلل السياسي “محمد علي مهلة، في حديث لـ”إدراك” تفاؤلاً بالموقف الصادر عن الاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة، عقب الاجتماع الوزاري الذي عقد على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك.

ويرى مهلة أن الموقف الجديد يمكن أن يشكل مدخلاً لوقف العدائيات لأغراض إنسانية، وبناء الثقة بين الأطراف، على أن تقود الخطوة لاحقاً إلى حوار أو مفاوضات حول حل سياسي عادل ومستدام يعالج جذور الأزمة السودانية، وليس مجرد وقف مؤقت للقتال.

هل ينجح المجتمع الدولي في الضغط على الجيش؟

لكن مهلة يربط نجاح المبادرة بمدى قدرة المجتمع الدولي على ممارسة ضغط فعلي على الطرف الذي ظل، بحسب تقديره، يرفض وقف الحرب منذ مبادرات منبر جدة ومباحثات جنيف والمنامة، وصولاً إلى مبادرات الرباعية والخماسية.

ويقول إن هذا الموقف يقود إلى التساؤل حول مدى استعداد قائد الجيش، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، للاستجابة للضغوط الدولية، في ظل تصاعد الانتقادات الموجهة إلى قيادة الجيش، والجدل الدولي بشأن طبيعة العلاقة بينها وبين الحركة الإسلامية، فضلاً عن الاتهامات المتعلقة باستخدام أسلحة محظورة دولياً، وهي اتهامات تحتاج إلى تحقيقات مستقلة للتحقق منها.

أصبح هامش المناورة أضيق أمام قائد الجيش في ظل المواقف الأخيرة لواشنطن 

لا مساحة لمناورة جديدة..؟

ويرى “مهلة” أن الضغوط الدولية على قائد الجيش باتت أكثر جدية، وأن هامش المناورة أمامه أصبح أضيق من السابق، خصوصاً في ظل التطورات الأخيرة في العلاقة مع واشنطن.

ويتوقع أن يجد البرهان نفسه أمام خيار التعامل مع مقترح الهدنة، لكنه قد يصطدم في المقابل بمواقف داخل معسكره، ولا سيما من التيار الإسلامي المتشدد الرافض لأي تسوية يمكن أن تنهي الحرب أو تحد من نفوذه السياسي والعسكري.

وبحسب هذا السيناريو، فإن قبول البرهان بوقف العدائيات قد يكشف عن تصدع داخل معسكر الحرب، ويضع القيادة العسكرية أمام اختبار حقيقي بشأن قدرتها على اتخاذ قرار سياسي مستقل بعيداً عن حسابات القوى التي ترى في استمرار الحرب طريقاً لاستعادة السلطة.

من الهدنة إلى تأسيس الدولة

ويعتقد “مهلة” أن نجاح وقف العدائيات يمكن أن يفتح الباب أمام مرحلة تفاوضية أوسع، تتناول القضايا الجوهرية التي ظلت تؤجل في كل التسويات السابقة، من بينها الهوية وهوية الدولة الوطنية، وعلاقة الدين بالدولة، ونظام الحكم، والنظام الاقتصادي، والعدالة والمحاسبة، والتحول الديمقراطي، والترتيبات الأمنية والعسكرية.

ويرى أن هذه العملية يمكن أن تفضي إلى ترتيبات جديدة لإعادة بناء الجيش والشرطة وأجهزة الأمن، وصولاً إلى فترة انتقالية تأسيسية تقودها حكومة مدنية.

وبينما تتجه الأنظار إلى نيويورك، يبقى السؤال الأهم: هل تنجح القوى الدولية هذه المرة في تحويل البيانات والمواقف الدبلوماسية إلى ضغط فعلي قادر على انتزاع وقف إطلاق النار، أم أن المبادرة الجديدة ستلحق بسابقاتها في قائمة الفرص التي أضاعتها الحرب؟

فالسودان، بعد أكثر من ثلاثة أعوام من القتال، لا يحتاج إلى مبادرة جديدة فحسب، بل إلى إرادة دولية قادرة على تحويل المبادرة إلى مسار ملزم، وإلى قرار سوداني يضع نهاية للحرب قبل أن تتحول البلاد إلى ساحة مفتوحة لصراعات الداخل والإقليم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى