مقالات واراء

دينامية الحركة الاجتماعية التي هندست مسار السودان المعاصر

مهند زامل

لم يتشكل السودان الحديث من خلال العوامل السياسة وحدها، وإنما من خلال حركة اجتماعية طويلة أعادت توزيع السلطة والهوية والمكان، وأعادت تعريف المركز والهامش.
تأتي هذه السلسلة من المقالات لتتناول التشكلات المحورية المهمة التي يشهدها السودان والقرن الأفريقي، كما تبرز شخصية القائد محمد حمدان دقلو كأحد آخر تجليات مشروع المقاومة السودانية الذي انتظم البلاد من قبل خروج الاستعمار.

هناك حقيقة مهمة يجب مراعاتها في هذه السلسلة وهي، ان المجتمعات العربية في السودان عموما لم تكن مبرأة من عملية التعنصر المركبة تجاه السوداني، ولكن الدور الحاسم الذي لعبته الدولة بانحيازها الصارخ تجاه هوية عرقية جغرافية معينة، جعل من العنصرية مادة مركبة تداخل فيها العادات الاجتماعية وسياسات الدولة.

دعونا نتعامل مع مسألة السودان الحالية هنا، من تاريخ تشكل ما يعرف بالدولة الحديثة في السودان والتي ارتبطت بظهور الاستعمار التركي المصري 1821.
وذلك ليس إبتساراً لتاريخ السودان الممتد من الفترة المروية ما قبل الميلاد، مرورا بالمماليك المسيحية الوسطى وثم المماليك الإسلامية و سنار.

ولكن لأننا معنيون هنا بالمجال الإطاري للدولة الحديثة التي ابتدر حدودها الأتراك والمصريين، والتي ظلت آثارها احدى مهددات بقاء ما تبقى من السودان.

لقد أتت الثورة المهدية كصيرورة موضوعية في مواجهة صلف الحقبة التركية، وحاولت بنهجها الخاص أن تضع لبنات لمشروع وطني قومي وإن كان قائم على أُسس ومرجعيات دينية.
إذ لم يكن منطقها ذاك يتناقض زماننا مع منطق معاهدة وستفاليا 1648 القائمة علي أساس الدولة القومية، أيً كانت امتدادات منابع الوعي القومي فيها، عرقية ثقافية كانت أم دينية.
كما امتثلت إلى نموذج صارم من القطيعة الاستعمارية بدأه المهدي بعد تحرير الخرطوم مباشرة، جسده في الانتقال إلى ام درمان وإعلانها كعاصمة وطنية للدولة.

تبرز أهمية هذه النقاط في تاريخ السودان الحديث للمقارنة بينها، وبين غياب مشروع الدولة الوطنية، ومن ثم نمذجتها في إطار المشروعين: مشروع الدولة الوطنية ومشروع دولة الاستعمار.

ان الدليل الشاهد على انتصار واستمرار بنية الدولة الاستعمارية هو النتائج الواقعية الماثلة لمشروع الهندسة الاجتماعية الذي حدث بعد سقوط المهدية مباشرةً، والذي كان تحت غطاء ازالة آثار المهدية.

وقد ارتكبت من خلاله المليشيات المحلية المتحالفة مع الاستعمار أفظع الفظائع، تجاه ما اوصفوهم بمجتمعات المهدية.

ان الإدارة الاستعمارية كانت في ذاكرتها مدينة الخرطوم ومركزيتها، لذلك لم تمكث في أم درمان حيث انتقلت وقتياً إلى الخرطوم واعادت تأسيسها كعاصمة استعمارية لليوم.
إذ لم تكن تلك عملية انتقال سهلة فقد دفعت مجتمعات بمجملها أثمان باهظة لم تشمل القتل والتهجير ومصادرة الممتلكات فقط، بل شملت عملية إقصاء منظم من المخيال الوطني السياسي والاجتماعي الذي ساد السودان المعاصر.
كانت للإدارة البريطانية مبرراتها المنهجية في نقل العاصمة
إلى الخرطوم، اتساقا مع وضعية الخرطوم الاستعمارية القديمة. ومن ثم إحداث قطيعة جيوسياسية مع الفكر المهدوي.
إلا ان هناك اكثر الوثائق دلالةً على ترك أم درمان بعد سقوطها كمدينة مستباحة من قبل المليشيات المحلية. وقد أظهرت تقارير الإدارة البريطانية في السودان، أبدا امتعاضها من عسف التشكيلات المحلية المتعاونة.

كما أنها بررت عدم بقائها في ام درمان نتيجة لتلوثها جراء تراكم الجثث الناتجة من معركة كرري وما تلاها.

لا شك في أن القوى المحلية المتحالفة مع الاستعمار كانت مدفوعة بشعور الحقد والانتقام، الناتج من سلسلة الصراع الأيديولوجي الذي حدث في تاريخ المهدية السياسي. وربما هذا ما غيّب عنها فكرة البناء الوطني وجعل مجرد تصوره يعتبر وصمة للإجرام والتمرد.

فقد كانت تصفية آثار المهدية هي الهدف الأكثر إيلاماً بالنسبة لما عرف عنهم بمجتمع المهدية والذي كان يتكون من غالبية السودانيين نظراً لقومية الفكر المهدوي. وعلى ضوئها تمت عملية استباحة شبه مطلقة، نفذتها مليشيات محصنة بمخيّلة سياسية جديدة، صُنعت بغرض القضاء ليس على المهدية وحدها، بل على أي مشروع دولة وطنية يلوح في الأفق، شكلا ومضمونا.

لقد شهدت تلك المرحلة عمليات تهجير قسري ومصادرة ممتلكات واستباحة واسعة، وقد اوردت تقارير ومراسلات ارشيف المهدية في مكتبة جامعة دورهام العديد من الإشارات والدلائل ارتبطت بصلف المليشيات المحلية.

أسهمت هذه العملية في شتات قسري شبه منظم للعديد من المجتمعات خصوصاً مجموعات غرب السودان. إلى مناطق مختلفة شملت النيل الأبيض والأزرق والجزيرة وسنار. كما ظلت لهذه الحادثة مركزية خاصة في الذاكرة الجماعية لتلك الشعوب عرفت باسم (كسرة أم درمان) أو كسة أم درمان.
والتي جسدتها مرة أخرى تراجيديا ما يحدث الآن من قتل وتهجير وإزالة، في الخرطوم ومدن اخري في شمال وسط السودان.

ان الذي وضع هذه القواعد الصفرية للديناميكية الاجتماعية في السودان المعاصر، قد قام ايضا بوضع الأنساق المفهومية المحكمة التي تموضع الآخر والمستحق موضع التشكيك والإجرام.

وهذا المسار قد فرض على هذه الجماعات حتمية اكتساب وعي ثوري موضوعي يأتي ضمن سياق هذا النسق التاريخي المقاوم، الذي يجعلها تشعر بوجودية معركتها.

إنه ذلك (المخيال الجلابي) الذي اعتاد دائماً على أن يضع إطاراً ايديولوجيا محاطا بالعرقنة والتديِّن لتفسير مسار حروبه المستمرة من قبل خروج الاستعمار.

ان المخيال الجلابي مقصود به هنا: (هو نُظم افكار وانساق وتصورات بنية عقلية تشكلت عبر عملية الاندماج العضوي الذي تم بين تجار الرقيق الجلابة والاستعمار التركي المصري 1821.)

والذي جاء نتيجة تلاقي مصالح عدة أهمها، تحويل مقاومة تجار الرقيق الذين كانوا يحكمون السيطرة على مناطق واسعة في أعالي النيل وبحر الغزال والاستوائية، عبر ما عرف تاريخيا “بالزرائب”، إلى الاستفادة من نفوذهم وتأثيرهم في تلك المناطق.

ولكن الذي دعنا لاستدعاء ذلك جمعا، هو أن هناك اعتقاد شبه منطقي يطوف حول تفسير الحركة الاجتماعية التي تشكلت في ذروات تأريخية مختلفة، واهمها مرحلة ما بعد المهدية. والتي يمكن وصفها بانها اول عملية هندسة اجتماعية شبه منظمة ومخطط لها سار على ضوئها السودان المعاصر.
ان الأمر الذي يستدعي إظهار دينامية الحركة الاجتماعية عبر مراحل صيرورة تنقلاتها المختلفة، متعلق في الأساس بعوامل الغياب الطويل التي أقعدت تلك الجماعات من الالتحاق المنظم بحركة المقاومة السودانية التي انتظمت البلاد منذ انهيار الدولة المهدية.

فلقد ظلت الخارطة السياسية المنظمة للمقاومة السودانية بعد سقوط المهدية، بطول غياب في انتظار ذلك الحراك المخيالي الاجتماعي الجديد الذي يؤمن بالفرضية المطلقة للتحرر. وقد كان غيابها المنظم ذلك نتيجة لعدة عوامل يغلب على طابعها المنهجية الأمنية المحكمة من قبل الدولة في مرحلتي الإستعمار وبعده.

لكن الحركة الاجتماعية والسياسية الجديدة التي تتشكل الآن ليست بالضرورة ان تكون حركة إقصائية احادية شكلتها ردود أفعال. وإنما جاءت نتيجة للحظة تأريخية نادرة للاجتماع، حول صياغة وثيقة اجتماعية تضع الأسس الموضوعية لدولة العدالة والمساواة.

ان الانتصار الحقيقي لمشروع الدولة الوطنية في السودان لا يتمثل في أسماء شخوص أو رموز معينة، بقدر ما يتميز بالمشاريع والرؤى الوطنية العميقة.

لذلك لا تأتي شخصية محمد حمدان دقلو هنا كجزء من الإقحام، ولكن لدلالات وفرضيات شكلها منطق الصيرورة والجدل، إذ لا يمكن اختزاله فقط، في كما يصوره اعدائه. وإنما يجب النظر اليه بانه احد آليات التاريخ في معركة إثبات محاور وجوده الذاتية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى