مقالات واراء

حكومة تأسيس المدخل الحقيقي لمخاطبة جذور الأزمة السودانية

إبراهيم خاطر مهدي

(3)
الأزمة الأخلاقية
قال أحد الفلاسفة “إذا أردت أن تكون كلب فلا تؤزيني بالنباح” مع إحترام الحيوان وبصفة خاصة وفاء الكلب؛ إلا أن ما يُعاب في الكلب أنه يتمتع بقدرات خارقة لكن ..! لا يمكنه أن يستغلها في تطوير سُبل معيشته. بل ينتظر فتات الموائد من أسياده مقابل بلاءه الحسن في تأمين الديار، الممتلكات والمحارم.
لا أحد يوجد في هذه الفانية بلا قيم أخلاقية. والتي هي بالضرورة الضوابط التي يضعها المجتمع لتنظيم الإشباع للدوافع الغريزية لأفراده، من حيث الحاجة إلي: المأكل والمشرب، حفظ النوع من الإنقراض عبر إشباع الغريزة الجنسية بطريقة غير منحرفة إنطلاقاً من الأطر الإجتماعية التي تحددها وتقيدها، الأمن، الحُب والإنتماء، التقدير الإجتماعي، وتحقيق الذات Self-actualization.
ومن خلال الضوابط الموضوعة لتنظيم الإشباع للدوافع والرغبات الغريزية أُنشأت “قيم ومُثل” عُليا، تعمل علي حفظ الإجتماع البشري من الأمراض الإجتماعية؛ التفكُك والتحلُل والتفسُخ. وبالتالي لكل منَّا قيمه الإجتماعية التي تربي عليها والتي تختلف من مُجتمع إلي آخر، نتيجةً لإختلاف الأنظمة الثقافية التي تحدد القبيح والحسن، الحلال والحرام، الممكن والممتنع…الخ، كبنية تأسست خلال السيرورة التاريخية لوجود الإنسان في الأرض، يكمن مغزاها في محدداتها بما في ذلك رؤيتها للعالم. ولكيما يضمن المجتمع قوة وفعالية تلك القيم والمُثل العليا لجأ إلي ما يُعرف بآلية الضمير “راجع موجز التحليل النفسي لسيغموند فرويد”. وأُنشأت ثلاث سلطات عبر التاريخ يعتمد عليها الضمير الإنساني في تحقيق قيمه ومثله العُليا؛ هي: (السلطة الإجتماعية المحكومة بالأعراف والعادات والتقاليد العتيقة، السلطة الدينية عبر التقوي، والسلطة السياسية عبر القوانين المُلزمة والتي يتساوي أمامها الجميع حاكماً ومحكوما = الدولة).
هذه السلطات الثلاث هي التي تحكم عمليات التطور الاجتماعي؛ لأن الأنظمة الإجتماعية في حالة تطور مستمرة محكومة بعمليتين هما: نبذ المعتقدات والمُثل العُليا القديمة عبر عمليتي؛ النقد: لكشف نقاط الضعف وتعرية أوجه القبح في التجربة إحتفاءاً بالخير والجمال والحُرية والعدل. والإبداع: بتصميم مشاريع الحلول لكل مرحلة تاريخية في حركة مستمرة وصائبة. والعملية الثانية هي: إبتكار مُثل وقيم عُليا جديدة مواكبة للتطورات الحديثة أهمها قيمة العمل والتكسُب عبر الجهد وليس الإحتيال والفهلوة.
إذا أسقطنا المفاهيم أعلاه علي واقعنا المُعاش سنجد أن المجتمعات السودانية بتنوعها وتباينها تحتوي علي تلك القيم والمُثل من أقصاها إلي أقصاها، بفئاتها الثلاث “المزارعين، الرعاة، والتُجار” بصرف النظر عن الإنفلاتات الفردية التي تحدث هنا وهناك، وكانت قادرة علي حفظ تلك المجتمعات لآماد متطاولة من الزمن وفي ظل ذلك الإستقرار استطاعت أن تبني حضارات مازال العالم يحتفي بها، لكن السؤآل الجوهري هو: متي بدأ الشر والتفسُخ الأخلاقي ينتشر بشكل هيكلي بنيوي وخرج عن السيطرة وضرب بوحدة تلك المجتمعات وأوصلها إلي ماهي عليه اليوم من بؤس وشقاء وتشرزُم؟
علي حسب وصف أحد الحُكماء “أن الشر بدأ في الأرض عندما أشار أحد ما بعصاه إلي قطعةٍ من الأرض وقال أنها مُلك لي ووجد أناس علي قدر من السذاجة فصدقوه” وبالفعل بدأ الشر في مجتمعاتنا عندما جاء الإستعمار وأصدر القوانين بملكية الأرض للدولة دون تعريف لماهية تلك الدولة وعلاقة تلك المجتمعات بها؛ وكانت تلك الدولة سمتها الأساسية هي النهب (راجع الحلقة الثانية في هذه السلسلة).
الأمر الذي أدي إلي ظهور أصناف من البشر يفتقرون إلي الضمير الإنساني بشكل رهيب ومخيف وهم ما نُطلق عليهم مصطلح “عيال الدولة” ورثة الإمتيازات التاريخية والثراء الحرام .. ورثة الإستعمار؛ وإذا استقصينا الأمر بعُمق سنكتشف جقلبة وورجغة مثقفي تلك الدولة ومواليهم؛ ابتداءاً بالإبن الأكبر “البروف عبدالله علي إبراهيم، مروراً بالتجليات الحربائية للدكتور “محمد جلال أحمد هاشم”، إلي آخره. لماذا ؟ لأنهم ببساطة لا يمكنهم العيش خارج أسوار تلك الدولة ذات الأسلوب القمعي والنهبي وإيديولوجيتها المفروضة .. إذن؛ من أين لهم تلك الأموال والعمارات ورفاهية العيش. فهل لديهم قطعان ماشية، أم حواشات زراعية، يعتمدون علياه في المعاش وتكوين رؤوس الأموال المادية والرمزية المعروفة؟
انحدار المجتمعات السودانية قاطبة في هذا المستنقع اللا أخلاقي كان سببه ممارسة أولائك المُنبتين من أية قيمة أخلاقية “عيال الدولة”؛ إبتداءاً من الأفندية “راجع د. خالد حسين الكد؛ مفهوم الأفندية” في عهد الإستعمار مروراً بكل النُخب الفاسدة والفاشلة إلي آخر تجلياتها في نظام الإنقاذ “فلول الجبهة الإسلامية” مما يشير الي أن؛ ذلك النهج يلبي تطلعاتهم دونما وازع أخلاقي وقيمي ويشبع غرائزهم ودوافعهم دون جهد؛ سِوَي تلفيق الحقائق وتزييف التاريخ ومخاتلة النفس وخداع الغير، لذلك مهما تدثروا بشعارات الوطنية والثورية ففي الآخر هُم عيال أم قطية دنقرهم واحد.
عليه؛ كيف كان يتعايش: الزغاوة، الرزيقات، المساليت، الفور، الشوايقة، النوبة، الفونج، البجا، …الخ، قبل قيام تلك الدولة؟ وماهي القيم والمُثل التي كانت توجه حيواتهم؟ هذا سنأتي إليه لاحقاً أما الآن فدعونا نتحدث عن المأساة الراهنة.
ليس غريب أن يتحاور الرفيق مني أركو مناوي أو غيره مع حكومة تأسيس؛ لأن مصلحته ومصلحة من يمثلهم ومستقبله ومستقبلهم يكمن في ذلك؟ لكن ماهي الشروط التي يمكن أن تقود ذلك الحوار وتوجههة إلي غاياته؟ نحن نري أن مناوي لم يكن إنتهازياً أو وصولياً في الأساس وأيضاً لم يكن أحد أبناء الدولة…! لكن شروط الإلتحاق بتلك الدولة وشللياتها اللا أخلاقية تستدعي التبرؤ من كل قيمة أخلاقية ومبدأ لأجل الإنضواء تحت زُمرتها الفاسدة “لذلك وجد رفيقنا مناوي وآخرين من رفقاء السلاح أنفسهم في المكان الخطأ من التاريخ “وهنالك إمكانية لتدراك ذلك قبل فوات الأوان. وبالتالي شرط التحرر من قيود وأغلال دولة 56 هو أهم الشروط في ذلك الحوار، والشرط الثاني هو مواصلة تحرير ما تبقي من أرض السودان من تلك العصابة والإلتحاق بميثاق السودان التأسيسي والموافقة علي الدستور الإنتقالي لسنة 2025م، كقانون أعلي للدولة الجديدة؛ وليس في ذلك غرابة، بل حتي البرهان نفسه يمكنه القيام بذلك ويشارك بجدارة في إيقاف الحرب وبناء السودان علي أُسس جديدة وهذا هو مستقبل العملية السياسية في السودان.
وحكومة تأسيس نعتبرها المدخل الحقيقي لمخاطبة جذور الأزمة السودانية المعروفة للجميع. عبر وثائقها الرسمية التي توافق عليها ممثلي إرادة وكفاح الشعوب السودانية الحرة.. ولنا كل الفخر أن يقودنا القائد محمد حمدان دقلو موسي ونائبه القائد عبد العزيز آدم الحلو؛ لأنهم يمثلون إرادة الشعوب السودانية المقموعة من موقع الأصالة وليس الوكالة. “البَدَّرْ بالحُمار سبق”.
نواصل …

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى