
يبني بعض الكتّاب أطروحاتهم على محور واحد: أن البرهان خان تاريخه ومؤسسته حين سمح لحميدتي بالتمدد، ثم خانه حميدتي بدوره حين انقلب عليه. ويسردون لذلك وقائع لا يمكن إنكارها: اعتقال الضباط الذين اعترضوا على هذا التمدد، واتساع نفوذ الدعم السريع اقتصاديًا وعسكريًا حتى بلغ قلب العاصمة، ومنح حراساته حق التواجد داخل القيادة العامة والمطارات، وتعطيل التحقيقات في ملفات حساسة داخل الجهاز الاستخباراتي نفسه. ومن هذه الوقائع يخلصون إلى حكم أخلاقي بسيط: البرهان صنع الوحش، ثم استُهدف به، فعليه وحده أن يعترف ويعتذر ويتوب.
هذه الوقائع صحيحة، لكنها لا تكفي وحدها لفهم ما جرى. فاستعانة البرهان بالدعم السريع لم تكن دائمًا اختيارًا حرًا نابعًا من محض الرغبة في التمكين؛ كانت، في جانب منها، استجابة لخشيته من الإسلاميين، الذين حاولوا استمالة الدعم السريع إلى جانبهم، فلما أيسوا من ذلك استهدفوا معسكراته، سعيًا إلى دفعه إلى مواجهة مباشرة مع القيادة العسكرية وحلفاء الأمس. وعندها لم يجد البرهان بدًا من الارتماء أكثر في أحضان الإسلاميين، بدل الانفكاك عنهم. لكن هذه الحيثية، مهما كانت مهمة في فهم توقيت بعض القرارات، تظل جزءًا من صورة أكبر. فحين نحصر النقاش في سؤال «من خان من؟»، نفترض ضمنًا أن أمام البرهان خيارًا مؤسسيًا محايدًا، فآثر عليه المليشيا. وهذا افتراض خاطئ من أساسه.
فبنية الدولة والجيش السوداني نفسها، منذ نشأة الدولة الحديثة، هي التي أنتجت الحاجة إلى القوة غير النظامية. عجز المركز مرارًا عن بناء جيش وطني يعكس التركيب الاجتماعي والجغرافي للبلاد، فلجأ، كلما استعصى عليه إخضاع الأطراف، إلى قوى محلية مسلحة تؤدي عنه وظيفة الحرب بالوكالة. ومن هنا فالسؤال الأعمق ليس: «لماذا اختار البرهان المليشيا؟»، بل: «لماذا وجد كل قائد سوداني، جيلًا بعد جيل، نفسه بلا خيار سوى المليشيا؟».
الإجابة تكمن في طبيعة المؤسسة نفسها. فجيش تُبنى قاعدة تجنيده على اندماج حقيقي من جميع الأقاليم يصعب على مركز ضيق احتكار قراره. لذلك كان الحل الأسهل هو تضخيم الرتب العليا وتركيزها جغرافيًا في يد قلة، مقابل الاستعانة بقوى الأطراف كأداة إسناد قابلة للتوظيف والحل والتفكيك، لا كشريك له حق أصيل في القرار العسكري أو السياسي. وهكذا صار الجيش، في جانب كبير من تاريخه، يحمي توازنات المركز الداخلية أكثر مما يبني مؤسسة وطنية جامعة. ويكشف سجله عن ذلك: حروب متعاقبة ضد شعوب البلاد نفسها، من الجنوب إلى دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق، سقط ضحيتها ما يقارب ثلاثة ملايين سوداني عبر العقود، مقابل حرب واحدة جادة لم يخضها دفاعًا عن حدود البلاد أمام عدوان خارجي.
ومنذ عام ١٩٨٩، ومع إنشاء قوات الدفاع الشعبي، التي استخدمتها الحكومة على نطاق واسع في حرب الجنوب، تراجع التجنيد النظامي للجيش عمليًا، وتصاعد اعتماده على القوى غير النظامية. ثم تكرر النمط في دارفور بعد اندلاع التمرد عام ٢٠٠٣، حين أنشأت الحكومة قوات حرس الحدود، وأُدمجت فيها أعداد كبيرة من الجنجويد، وكان موسى هلال من أبرز قادتها. وهكذا تحول الجيش تدريجيًا من مؤسسة يفترض أن تحتكر القوة إلى تحالف هش من قوى متفرقة يجمعها ولاء مؤقت لمركز القرار؛ ومن هنا فإن «المؤسسية» التي يفترضها بعض النقاد لم تعد قائمة إلا اسمًا.
غير أن هذا لا يعني وضع موسى هلال وحميدتي في سلة واحدة. فحميدتي، في مرحلة لاحقة، لم يكتفِ بالدور الذي أُريد للقوات التي سبقته أن تؤديه؛ بل جرى تقنين وضع الدعم السريع وإدخاله في بنية الدولة القانونية والدستورية عبر قانون خاص منحه صفة مؤسسية رسمية. وبعد الثورة، انتقل الخطر من مجرد قوة مسلحة موازية إلى قوة تتشكل لها طموحات سياسية: بدأ حميدتي يخاطب الهامش سياسيًا ويبني تحالفات مع قوى وحركات من أبناء الأقاليم التي كان قد خاض ضد بعضها حروبًا ضارية في السابق.
وهنا تكمن المفارقة التي لا تلتقطها سردية «الخيانة». لم تعد المشكلة أن حميدتي خرج على الدولة، بل أنه بدأ ينافس على تعريف الدولة نفسها. فحين تتحول القوة التي أنشأها المركز لقمع الهامش إلى قوة قادرة على بناء جسور سياسية بين مكونات الهامش، فإنها لا تعود مجرد مليشيا ينبغي ضبطها أو تفكيكها؛ بل تصبح تحديًا لمنطق الدولة الذي احتكر المركز بموجبه تعريف الوطنية والسلطة والتمثيل. ودولة الأبارتايد الجلابي، بحكم تعريفها، لا تخشى تفرد قوة واحدة بالسلاح بقدر ما تخشى تحالف الأغلبية المهمشة ضد الأقلية الحاكمة، لأن مثل هذا التحالف يهدد جوهر المعادلة التي قامت عليها الدولة منذ الاستقلال.
لكن هذا التحول لا يصنع من حميدتي بطلًا أو قوة تحررية. فالدعم السريع، مثل الجيش، يحمل سجلًا ثقيلًا من الانتهاكات لا يجوز تبريره أو محوه من الذاكرة الوطنية. المسألة أن حميدتي تجاوز الدور الذي رُسم له، وسعى إلى تحالفات تتخطى الحدود التقليدية التي فصلت «قوى المركز» عن «قوى الهامش». ومن هنا ينبغي أن نقرأ حرب الخامس عشر من أبريل: لا باعتبارها خلافًا بين رجلين، ولا صراعًا بين جيش ومليشيا نشأت من فراغ، بل باعتبارها لحظة انكشاف تاريخي لأزمة الدولة السودانية نفسها؛ دولة استعانت بالقوة المهمشة لقمع الهامش، ثم فوجئت بأن هذه القوة اكتسبت من ذلك القمع سلاحًا وثروة وشبكات نفوذ، وبدأت تطالب بموقع في الدولة، لا بوصفها أداة للمركز، بل طرفًا في إعادة تشكيله.
وهنا تقع مسؤولية البرهان، ولكن ليس بالمعنى الذي تختزله عبارة «لقد صنع حميدتي». فالبرهان مسؤول سياسيًا عن الخيارات التي سمحت للدعم السريع بأن يتضخم عسكريًا واقتصاديًا وأن يصبح ذا قدرة مستقلة عن القيادة العسكرية التقليدية. لكنه لم يخترع النظام الذي جعل الاستعانة بالمليشيات ممكنة؛ بل ورثه وأعاد إنتاجه، وربما دفع به إلى نقطة الانفجار. والفارق جوهري: فالأولى تحصر المساءلة في قرار فردي يمكن تجاوزه بتغيير الأشخاص، بينما تضع الثانية المسؤولية في سياقها الصحيح: مساءلة سياسية عن إدارة نظام موروث وإعادة إنتاجه.
ولا يعني ذلك، في المقابل، أن حميدتي كان يمثل الهامش كله، أو أن تحالفاته كانت تعبيرًا نقيًا عن تطلعات المهمشين. فالسودان أعقد من أن يُختزل في ثنائية «مركز وهامش»، ولا يمثل أي من طرفي الحرب إقليمًا أو مجموعة سكانية كاملة. داخل الجيش أبناء أقاليم مختلفة، وداخل الدعم السريع حلفاء من مناطق متعددة، كما أن القوى المدنية والمسلحة تتقاطع مصالحها بصورة لا تسمح بإعادة رسم البلاد على أساس عرقي بسيط.
لكن هذا التعقيد لا يلغي حقيقة الاختلال البنيوي. فالمسألة ليست أن «عرقًا» يحارب عرقًا آخر، وإنما أن دولة لم تنجح في تحويل تنوعها الاجتماعي والجغرافي إلى تمثيل سياسي ومؤسسي متوازن، فظلت تعالج أسئلة المواطنة والحكم بالسلاح. وحين يعجز النظام السياسي عن استيعاب التعدد، ينتقل الصراع على السلطة من المؤسسات إلى البنادق.
لذلك لا ينبغي أن تُقرأ الحرب بوصفها مباراة بين «جيش وطني» و«مليشيا متمردة» فحسب، ولا بوصفها حربًا بين حميدتي والبرهان. فكلا الطرفين يحمل سجلًا من الانتهاكات، وكلاهما جزء من تاريخ طويل من عسكرة السياسة السودانية. والبحث عن طرف ملائكي لا يخدم الضحايا، كما أن تحويل أحد الطرفين إلى شيطان مطلق لا يعفي الآخر من مساءلة تاريخه.
وعليه، فإن النقد الذي يستحقه البرهان لا ينبغي أن يُختزل في سردية الغدر الشخصي؛ لأن هذا الاختزال يعفي المؤسسة العسكرية والبنية السياسية التي أنتجتها من السؤال الأهم: كيف سُمح، عبر عقود، ببناء دولة يحتكر فيها مركز ضيق السلطة والموارد، ويستعين بأدوات عنف غير نظامية كلما تعذر عليه إخضاع الأطراف بالسياسة، حتى تحولت إحدى هذه الأدوات إلى منافس على تعريف الدولة ذاتها؟
الإصلاح الحقيقي لن يأتي من استبدال «خائن» بآخر «أمين»، ولا من انتصار عسكري لطرف على آخر، بل من إعادة بناء الدولة على أساس دستوري يقيم حكمًا مدنيًا ديمقراطيًا، ويُخضع المؤسسة الأمنية والعسكرية لإصلاح جذري يقطع نهائيًا الطريق على منطق الاستعانة بالمليشيات، أيًا كان اسمها أو من يقودها أو من يدّعي تمثيل الهامش باسمها. فحرب ١٥ أبريل لم تكشف فقط خطأ هذا القائد أو ذاك؛ لقد كشفت حدود الدولة التي ورثناها، وأظهرت أن الأزمة الحقيقية ليست فيمن خان المؤسسة، وإنما في المؤسسة والدولة اللتين جعلتا الخيانة ممكنة، وجعلتا المليشيا بديلًا متكررًا عن السياسة.



