مقالات واراء

تشريقة بني هلال من المغرب إلى كردفان : قراءة من دراسة إبراهيم إسحاق

محمد على مهلة

▪️مقدمة:

إن الجُنَيْديين وفَزارة والجُذاميين، وأعرابًا آخرين، ترافقوا وعبروا الصحراء الأفريقية الكبرى إلى بلاد السودان الأوسط والشرقي.
إن تشريقة بني هلال من المغرب إلى كردفان هي جزئية من دراسة منشورة في كتاب: هجرات الهلاليين من جزيرة العرب إلى شمال إفريقيا وبلاد السودان، ألفها الأستاذ الراحل إبراهيم إسحاق إبراهيم في العام 1996م. ويقول عن تلك الدراسة: “إنها محاولة تطبيقية لأن يكون التراث الشفاهي مصدرًا للتاريخ، مع الاستعانة بالملاحظات التي يقدمها علم الاجتماع والتراث الشعبي الذي يمثل مخزونًا للذكريات المتراكمة التي يرجع إليها السكان المعنيون على الدوام، فيعيدون منها تشكيل رؤيتهم لأنفسهم خدمة لأهدافهم الجلية والدفينة.” ويواصل إسحاق ليقول: “لعل السائد في الكتابة عن الهلاليين وتراثهم هو: إما الكلام عن أخبار بني هلال، أو الحديث عن السيرة الهلالية.. وبينما ينطبع في الذهن لأول وهلة أن الأخبار تُعنى بالتاريخ، وأن السيرة تُعنى بالأدب، يحتار المرء في موضوع هذا البحث المتتبع لهجرات الهلاليين من الجزيرة العربية إلى جنوب الصحاري الأفريقية الكبرى في بلاد السودان الأوسط.. وقد ساقتنا هذه الحيرة إلى جلب مقتربات منهج التراث الشفاهي والملاحظات التي يقدمها علم الاجتماع واستنطاق موجودات التراث الشعبي لخدمة التاريخ الإقليمي والقبلي؛ لأجل أن نبني جسرًا معقولًا بين التاريخ والأدب، وفي الوقت نفسه أن نخضع التاريخ والأدب معًا لمقتضيات تفكير غير جامد. فالتاريخ الذي نتقصاه ليس تاريخ الوثائق وحدها، والأدب الذي نستنطقه يتراوح بين المدون الثابت والشفهي المتغير في كل جلسة تأدية.”
وقد قسم إسحاق هجرات الهلاليين من الجزيرة العربية إلى الصحاري الإفريقية الكبرى وبلاد السودان الأوسط إلى ثلاث دوائر متداخلة:
▪️الدائرة الأولى: اهتمت بخلفيات الترحال الهلالي من الجزيرة العربية حتى أقاصي المغرب الكبير، وتنحصر هذه المتابعة في الفصل الأول من الدراسة، وتعتمد مادتها على ما توفره كتب التاريخ الإسلامي حتى العصر المملوكي. ويسرد إسحاق في الباب الأول – تغريبة بني هلال من نجد إلى فاس – ويتناول التاريخ البعيد في بلاد العرب، ومن ثم الانسياح الكبير إلى المغرب. ويفصل في تغريبتهم البادئة من عام 437هـ / 1045م وبقاء جماعات منهم بصعيد مصر وغربي البحر الأحمر. وتشير التقديرات المتعلقة إلى أن أعداد أفراد هذه الأحلاف الهلالية التي زحفت نحو المغرب كانت قد بلغت ما بين المائتي ألف ونصف المليون، كذلك يرد القول بأن الفرعين المهمين في تلك الأحلاف القيسية الزاحفة غربًا هما (سُليم) و(هلال).
▪️الدائرة الوسطى: تناولت مراحل الهجرات الهلالية بالمنظور العام للهلالية، خاصة في وادي النيل وشرقه. وقد اهتم بهذا الجانب الفصل الثاني، فتمت مناقشة المعلومات الشحيحة التي وفرتها كتب التاريخ الإسلامي حتى العصر المملوكي عن حركة القبائل العربية في السودان الشرقي، ثم اهتم الشق الثاني من هذا الفصل بفحص الدلائل الحديثة القائلة بالوجود التاريخي للهلاليين بشرق السودان ووادي النيل. وتناول في هذا الفصل انسياب العربان إلى بلاد السودان، والحديث عن قرية (الهلالية) على النيل الأزرق.
▪️الدائرة الثالثة: تتبعت الهجرات إلى بلاد السودان الأوسط، حيث كُرس لها الفصلان الثالث والرابع. ويقول إسحاق: “لما كانت مراجع التاريخ الإسلامية حتى عصر المماليك قد توقفت عن مدنا بالمعلومات عن هذه الموجة من الترحال بعد القرن الرابع عشر الميلادي، فقد استقرأت هذه الدراسة: (1) ما ورد في كتب المؤرخين المحدثين وملاحظات الرحالة العرب والأوربيين، (2) أساليب المتشابهات في تواطؤ أسماء القبائل وفروعها، (3) الدراسات اللغوية والإثنوغرافية؛ حيث تُفسر ديمومة الظاهرات اللغوية، (4) ما يقدمه التراث الشفهي من تصورات الرواة عن أصولهم؛ الذي يجمعه الباحثون من رواة القبائل البدوية العربية، والمستقرين بجوارهم في الحزام السوداني الواقع جنوبي الصحراء الكبرى، من تشاد إلى النيل الأبيض.”
▪️تشريقة بني هلال: من المغرب إلى كردفان
(عبور الصحراء الأفريقية الكبرى، والانسياح الكبير نحو الجنوب الشرقي)
أولاً: عبور الصحاري الأفريقية الكبرى
يسترسل إبراهيم إسحاق في شرح المنهج الذي اتبعه في الدراسة؛ من كتب المؤرخين والدراسات اللغوية والإثنوغرافية والتراث الشفهي، ويقول: “إن هذا البحث يسعى للربط بين الأسماء التقليدية للقبائل العربية، ومسمياتها الجديدة في أوطانها الأفريقية، منهجًا استعمله أغلب أصحاب المصادر الإضافية التي عرضناها، وقد جاراهم البريطاني هارولد ماكمايكل في حقله السوداني، والفرنسي إتش كاربو في حقله التشادي. ثم سار على إثرهما في الدراسات السودانية عبد المجيد عابدين، ويوسف فضل، ومصطفى محمد مسعد.” وأن هذا المنهج يعتمد على المتشابهات اللفظية، أو الوصفية، بين مسميات القبائل ومكونات الثقافة القبلية عامة، وبين الماضي والحاضر تارة، وبين المنطقتين اللتين قد تتباعدان جغرافيًا، وإن أمكن قيام جسور تاريخية بينهما.
ويقول إسحاق إن دوافع الانسياح إلى بلاد السودان كانت بالنسبة للعربان المصرية المحدد الأساسي لما صارت إليه أحوالهم فيما بعد. فالذعر الذي أصابهم من المطاردات المملوكية، والقتل الجماعي لفلولهم الهاربة، كما يصفه يوسف فضل نقلاً عن المقريزي وابن إياس، كان كافيًا لإعطائنا ملمحًا مفيدًا عن – إعادة تشكيل البناء القبلي للعربان – وفقًا لتحالفات جديدة في المواقع التي يجتمع فيها شملهم بأرض الأمان بعيدًا عن السيف المملوكي. ويذكر إسحاق أن يوسف فضل لخص سلسلة الكوارث التي حلت بالأعراب المصرية. فالسلطة المملوكية أرادت أن تروضهم وتلزمهم بالاستقرار ومن ثم تغيير نمطهم المعيشي. فلما قاوموا ذلك لجأ المماليك إلى العنف. بل ربما لم يكن أمام العربان عندئذ أفضل من الاستفادة من تجارب الجماعات التي سبقتهم إلى بلاد السودان منذ القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي، وذلك باطراد الهجرة جنوبًا. وزاد هذه الدوافع حدة لجوء المماليك لعناصر بربرية معادية، من أجل إزاحة الأعراب من الصعيد ومزاحمتهم في البوادي والحضر مثل الهوارة. ثم أن سني المجاعات والأوبئة المترادفة منذ عام 725هـ / 1324م بمصر العليا، كانت بالنسبة لخروج العربان من الصعيد حافزًا ملحًّا آخر لا يقبل التأجيل. ويواصل إبراهيم إسحاق ليقول إن مظهر الفرار العشوائي الذي ارتبط بهجرة الأعراب المصرية إلى السودان، أملى على – تكوينهم القبلي البديل – ببلاد النوبة وإلى الجنوب منها نموذجًا جديدًا في شكله ومسمياته. ويوضح إسحاق نماذج إعادة صياغة الأنساب العربية؛ القديم منها الذي يرتكز على – العصبية الأصلية – التي تقوم على علاقات القربى والأرحام، و – العصبية الطارئة – التي تقوم على الاستلحاق القبلي بالولاء والجوار والاستعباد. وعلى هدي هذا النموذج يعبر يوسف فضل عما حصل للعربان بعد وصولهم السودان، فالتكوين القبلي عندهم ينفتح ويتوسع بتأثير من اصطناع التحالفات الجديدة، وانضمام أعضاء جدد من قبائل مغايرة لهم، والأخذ باسم قبلي جديد، وأحيانًا بمجرد تغيير الأوطان، والنتيجة هي تضخم بعض الأسماء تضخمًا هائلًا، مثلما حدث لجُهينة غرب وادي النيل، وتلاشي أسماء مثل ربيعة وبني جُعد الذين كانوا بالصعيد وشمال السودان، واستمرار أسماء أخرى لمدد أطول، مثلما حصل لفَزارة كردفان ودارفور، ولبني هلبا الجذاميين وبني عطية.. وخلص إسحاق إلى أن الاندماجات القبلية التي صحبت الهجرات العربية إلى بلاد السودان الشرقي والأوسط تشكلت على هياكل بنهج جديد بين جد الفرع القبلي المُستلحَق وبين جد المجموعة الأكبر التي استلحقتهم، والتوافق على مبدأ قبول التحالف الجديد على أنه واقع قبلي مستجد، له التزاماته ومغرياته.
▪️عبور الصحراء الكبرى:
وفي مسألة عبور هؤلاء الأعراب للصحراء الكبرى، التي يبنيها إبراهيم إسحاق ويختلف فيها مع كل من يوسف فضل وهارولد ماكمايكل وغيرهم ممن استبعدوا ذلك العبور، ويتفق إسحاق مع عبد المجيد عابدين ومحمد عوض محمد حول جدوى القول بأن الأعراب سلكوا الدرب الصحراوي المؤدي من شمال إفريقية إلى بلاد السودان الأوسط عبر المفازات الليبية والجزائرية قادمين من برقة وفزان وقسنطينة. ويخلص إسحاق إلى أن التجارة هي التي اتبعت البداوة، وأن الصحراء الكبرى على العكس مما يرى البعض، كانت وظلت مفتوحة الآفاق لسكانها منذ القدم، ولم تمثل مانعًا للهجرات أو الأسفار أو الغزوات عبرها، إلا في مناطق معينة حجرتها أشد الموانع الطبيعية بأسًا. فالجرمانتيون الليبيون الذين انتعشت حضارتهم منذ القرن الثالث قبل الميلاد، عرفوا الطرق المؤدية إلى مناطق السافانا الأفريقية مثل النيجر وتشاد، وكانت لهم طرق عابرة للصحراء الكبرى. وأن الجمل الذي دخل إلى إفريقية غرب نهر النيل في القرن الخامس قبل الميلاد، انتشر استعماله تدريجيًا لدى القبائل البربرية من لَواتة ومَزانة وهَوارة وطَوارق وغيرها، ثم تفرق به البربر في نواحي الصحراء الكبرى بداوة وأسفارًا. وأن التبو والقرعان ظلوا – كما يقول هرمان كيز – يحركون قطعانهم بانتظام من مراعي ومساقي مرتفعات التبستي الواقعة بين فزان وتشاد، إلى الواحات الشرقية المتاخمة لحدود مصر والسودان وليبيا، مثل مرتفعات الكفَرة والعُوينات والجِلف الكبير وجبل أَركنو، وذلك منذ عهود قديمة حتى 1939م، ويتخذ المؤرخون ذلك دليلاً على أن رعاة البقر القدامي من الذين رسموا المهنّيون للبقارة والقرعان والتبو في هضبة التبستي، وغيرهم من السلالات المتأخرة ببلاد السودان كالأمبررو من الفُلاني وأعراب البقارة، لأجل هذه المميزات يصف أولئك المؤرخون الواحات الليبية بأنها كانت دائمًا مناطق تجميع وعبور للأجناس القادمة من كل الجهات.
وعن ريتشموند بالمر يأخذ بشير إبراهيم بشير معلومة تقول: إن التبو يحكون في رواياتهم الشعبية أن هجرة عربية كبرى طالعة من فِزان، كانت قد لجأت إلى بلادهم حوالي 148هـ / 800م، وأن هؤلاء المهاجرين أسسوا في بلاد التبو مدن جَادو وسيقديم ودَركو وبَلما. ونحن نعرف أن اكتساح الأعراب الهلالية لشمال إفريقية في القرن الهجري الخامس / الحادي عشر الميلادي لم ينته عند تونس بل سرعان ما توسعت فروعهم في الديار، خلال القرون الثلاثة التالية التي تدرك أخبارها عصر ابن خلدون. فالقرن الثامن الهجري / الرابع عشر الميلادي شهد هذه القبائل وهي تتنازع النفوذ بجانب الحكام المحليين من برقة شرقًا وعبر طرابلس الغرب والزَاب أو ما يسمى بالمغرب الأوسط، حتى مراكش في المغرب الأقصى.
ثانيًا: الانسياح الكبير نحو الجنوب الشرقي
يتناول إسحاق في هذه الجزئية التشابهات الاسمية بين فروع القبيلة الموزعة بين شمال إفريقية وبلاد السودان الأوسط كما وردت في التراث الشفهي، وعلى ملاحظات الرحالة، ودراسات المؤرخين المحدثين، وكل الدلائل من لغات وماديات. وتناول الكاتب عشرة قبائل عربية بدوية من جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى، وهي: العلاونة والمحاميد، وأولاد سليمان، وأولاد علي، وأولاد حميد، والشاوية، وبنو عُقبة، وبنو عطية، والمِعقل، وفزارة. حيث يؤكد على وجود العلاقة السلالية بين هذه القبائل، وبني هلال وبني سُليم وأحلافهم، الذين عُرف بهم ابن خلدون حينما انطلقوا من مصر إلى المغرب، والعلاقة إما علاقة نسب، أو حلف، أو جوار، أو مرافقة. فهذه التجمعات القبلية المختارة، لا يزال أغلبها يمارس الترحال الرعوي، وبشكل واضح، شمال جمهورية تشاد ووسطها، وفي إقليمي كردفان ودارفور.
▪️العلاونة:
توجد العلاونة بطونًا في أربع قبائل سودانية هي: المعالية، وبنو هلبا، والكبابيش، وكنانة. وينقل محمد عزة دروزة عن نعوم شقير في كتابه أعراب سيناء أن لمَزينة القبيلة المُضرية فرعًا في سيناء يسمون العلاونة. وقول ابن خلدون أن لذياب بطنا تمتد ديارهم من برقة وقابس وطرابلس الغرب وفيهم العلاونة. أما في ليبيا الحالية فيوجد ضمن فرع لبيد من بني سُليم يسمى العلاونة ويقيمون شرقي السلوم وفي برقة. وفي الجزائر لفرع من بني سليم بطنا يسمون العلاونة.
▪️المحاميد:
يوجد المحاميد بشمال إفريقية في منطقة عريضة، تمتد من الصحراء الغربية بمصر، وحتى الجزائر غربًا، وأيضًا يتواجدون في قطاع عريض من شمال غرب جمهورية تشاد، وشمال غرب دارفور. ويرجع المحاميد في ليبيا نسبهم إلى بهثة بن سُليم. وفي الجزائر يشير محمد عزة دروزة على أنهم بطن من ذياب أحد فروع بني سُليم، ويقول ابن خلدون أنهم يسكنون نفوسة وحرب وقابس. ويشير حسن حسني عبد الوهاب العلامة التونسي مرتين إلى قبيلة المحاميد في عصره بتونس، فأولاهما تدل على وجودهم بطرابلس ليبيا على أنهم فرع من سُليم، والثانية على وجودهم بالجنوب التونسي. ويقول المؤرخ الشعبي التشادي إبراهيم صالح بن يونس الحسيني أن المحاميد بإقليم برنو من شمال تشاد، يطلعون من ذياب من بهثة من سُليم.
▪️العطاوة وفروعها:
يسترسل إبراهيم إسحاق في الروايات المتقاربة أو المتضاربة عن العطاوة وفروعها وفق ما أورده المؤرخون أمثال ماكمايكل وغيره، أو الرواة المحليون بدارفور وبعض المناطق بتشاد. ويتناول ما ورد عن العطاوة كفرعٍ من التجمع الجهني لغرب النيل الأبيض. ويقول إن البحث عن بني عطية يفرض على الباحث التفتيش عن بني عُقبة. ويتابع ماكمايكل أخبار أولاد عقبة في دخولهم لمصر من الجزيرة العربية، وذهابهم حتى طرابلس الغرب، ثم انسياب بعضهم في صفوف الفولاني، وتسلل الآخر منهم في قبيلة أولاد علي القاطنين شرق ليبيا. ويجمع ماكمايكل شواهد من جي آي والن وآر إف بيرتن تدل على سكنى بني عقبة في القرن التاسع عشر بالصحراء السورية، وسيناء، وسواحل خليج العقبة، ويقول إنه التقى بهم شخصيًا في خليج العقبة عام 1915م. وما ورد عن ابن خلدون الذي يقول عن استقرار بني عطية بالجزائر حول قسنطينة في القرن الرابع عشر الميلادي. وأن دروزة أخذ عن الناصري في الاستقصاء خبرًا عن مهمات تؤديها قبيلتا زرق وأولاد عطية في أحداث مراكش عام 1818م. وفي ليبيا أن أولاد مرزوق فرعٌ من ذياب أحد الفروع الأربعة المكونة لبني سُليم. وأن أولاد مرزوق بالجزائر يمثلون بطنًا من هبيب، أحد تقسيمات بني سُليم. ثم نكتشف قبيلة الحَمر الكردفانية لها بطن يسمى أولاد مرزوق. لقد أخبر الرواة الشفهيون بدارفور الرحالة الألماني جوستاف ناختيقال عام 1874م بأن العطاوة تشمل المسيرية (بشقيهم: الحُمر والزرق) والرزيقات، كما وضحوا أن الرزيقات هم المهرية والمحاميد والنوايبة، ومعظم الرواة في دارفور لا يخرجون عن هذا التقسيم إلا فيما ندر. وفي رواية دارفورية ثالثة يقول إن السلامات يخرجون من الجد الأكبر وهو الجنيد، فهم وتفريعات أعراب بلاد السودان الأوسط الثلاث: العطاوة والحيماد والرواشد .. أخوان. ويقول المؤرخ التشادي الشعبي إبراهيم صالح بن يونس الحسيني إن السلامات هم أولاد سَلام، وأنهم يتركبون من بني هلال، ومن أولاد موسى السَعادنة، وأولاد أم ساعد المعروفين في جمهورية السودان بأولاد ساعد، وأولاد سلام هؤلاء يمثلون فرعًا من السَعادي السلميين ويتوزعون بين ليبيا ومصر. وأن طبيعة تكوين السلامات المتعدد الأصول في تشاد ناتج عن الاستلحاق المستمر بينهم لأفراد وعشائر جدد تنضم إلى القبيلة. وأن هناك رواية أخرى في دارفور تجزم بأن العطوية في الكبابيش، يخرجون من جنس العطاوة أصل الرزيقات.
▪️أولاد علي وأولاد سليمان:
يورد الكاتب روايات وتواريخ تواجد أولاد علي بمصر، وفق ما أورده الجبرتي في أخباره، ويقول إنهم جاءوا إليها من منطقة الجبل الأخضر بليبيا، وأن أولاد علي بالصحراء الجنوبية لليبيا هم من الرحل، وأن للكبابيش في كردفان والمهرية وبني هلبا بدارفور وتشاد بطنًا تسمى أولاد علي. ويقول الكاتب إن عشائر من أولاد سليمان وأولاد علي كانت قد تزاملت في التسرب إلى بلاد السودان الأوسط، عبر الطرق الصحراوية الشمالية حتى انضمت إلى ما يعرف بالتجمع الجهني في غرب وادي النيل. ويذكر كيف أنهم عطلوا رحلة محمد بن عمر التونسي بمنطقة فزان، لثلاثة أشهر. كما يذكر الرحالة الألماني ناختيقال أن أولاد سليمان بغاراتهم الصحراوية التي أربكت التواصل التجاري بين فزان وتبستي وبرقو. أما المؤرخ إبراهيم صالح بن يونس فينسب أولاد سليمان في تشاد إلى لبيد من العدنانيين، ويذكر أن منازلهم ببرقة، وأنهم صعدوا منها إلى كانم بتشاد في زمن متأخر، ثم تسربوا إلى شمال نيجيريا، وتحركوا بسائر تشاد الشمالية. ويرجع ماكمايكل أولاد سليمان الموجودين بالسودان إلى أصولهم في سرت وفزان، وذلك فقط عند حديثه عن البطن الموجود في كبابيش كردفان.
▪️ أولاد حميد:
تعرف كل من عبد المجيد عابدين، ويوسف فضل على أولاد حميد في فرع الحميديين، الذين ذكر المقريزي أنهم كانوا مع العطويين والجابريين بمصر، وأنهم جميعًا يطلعون من هلبا سويد الجذامية، لكن وجود بني حميد باسمهم هذا في بلاد المغرب الأوسط، يضع في الحسبان احتمالاً آخر تجدر ملاحظته. فمحمد عزة دروزة مستندًا إلى ابن خلدون، يجد بني حميد بطنًا من رغبة الهلالية، ويقول إنهم يسكنون بضواحي تلمسان في القرن الرابع عشر الميلادي. ومرة ثانية يجعل ابن خلدون بني حميد بطنًا في بني هيب السلميين ويحدد مساكنهم في برقة وإفريقية. أما إبراهيم صالح بن يونس فيأخذ بالترجيح السابق لعبد المجيد عابدين ويوسف فضل عن بني حميد المصريين، إلا أن وصفه لانتشار أولاد حميد في تشاد وشمال نيجيريا، يخدم أيضًا مقترحات ابن خلدون عن انتماء الحميديين إلى سليم وهلال. ففي شجرات النسب الأربع التي ظهر فيها أولاد حميد من كتاب ماكمايكل أن نزول بطنهم في البقارة من الجنيد (الجد الجامع لمعظم البقارة والأبالة بتشاد ودارفور وكردفان).
▪️عرب الشوا:
يخلص الكاتب إسحاق إلى أن هناك أربعة افتراضات في مسألة أصول الأعراب الشوا.. أولها هو أن نواة هؤلاء الأعراب كانت قسمًا من الشاوية الذين ذكرهم الحسن بن الوزان، أو كانت هي الشاوية الهلاليين الذين يذكرهم ابن خلدون في المغرب الأقصى. وثاني الافتراضات هو المعنى الصادر عن الاسم الذي يطلقه المحليون مثل الكانمبو على الأعراب. وثالثها هو الاسم المهني في العربية، وهو افتراض استبعده قياسًا على نهج البدو في تسمية أفرادهم وأجدادهم، بما يطرأ لهم من مكونات بيئاتهم وليس بمهنهم. ورابع الافتراضات هو القول بتضخم نواة أعرابية أخرى من غير الشاوية الهلالية، وربما من تجمع الأعراب الناتجين عن موجات بني هلال المغربة، أولئك الذين يذكر تكدسهم بالجنوب التونسي الحسن بن الوزان. ويبقى الربط بين الشاوا والساو القدامي افتراضًا بعيدًا يحتاج إلى دلائل تقسم جسرًا بين التاريخ القديم محليًا، وبين الأعراب. جاء قوم من أهل هذه الافتراضات إلى تشاد وبرنو عبر الصحراء فكونوا قاعدة شاع منها عموم اسم الشاوية. وقد تسند رابع تلك الافتراضات إشارة لعبد المجيد عابدين أخذاً عن جامع الفولكلور الإنجليزي إس آر باترسون، تقول إن جماعة من الحسانية انتقلت إلى غرب إفريقية، ثم عادت نحو الجنوب الشرقي، حتى بحيرة تشاد حيث جاوروا الكانمبو، وهناك اشتغلوا برعي الأغنام فأطلق عليهم اسم الشاوية أو الشوا. وهؤلاء قد أشاعوا في تشاد روايات الهلالية التي ظلت متداولة بينهم على ألسنة الرواة، حتى جمعها باترسون منهم في الثلاثينات من القرن العشرين. فإذا قبلنا بأن اسم الحسانية هو صيغة أخرى من الحساونة، وجدنا عدة إشارات إلى بطن من سليم يحمل هذا الاسم ويحل في فزان وصحرائها الجنوبية. وهكذا نلحظ اتصالاً بين الإشارات للشاوية الهلاليين الذين ذكرهم ابن خلدون، والشاوية الذين وصفهم الحسن بن الوزان في المغربين الأدنى والأقصى، بعد قرنين من عصر ابن خلدون، وبين الحسانية والحساونة في فزان وتشاد. ولعل الحسانية والحساونة صيغتين من مصدر واحد، كانوا فرعًا من الشاوية الهلاليين، أو من الشاوية التي تزايدت بالعصاة من أعقاب الهلالية بالجنوب التونسي. وبهذه الصفة، احتفظت هذه القبائل بالروايات الهلالية في تراثها الشفهي، وهي تعبر من المغرب وفزان حتى تصل إلى أطراف بحيرة تشاد. وقد نجد في هذا كله أن الشاوية كانوا قد أدوا مهمة مميزة في سلاسل هجرات الهلالية المتأخرة إلى بلاد السودان جنوبي الصحراء الكبرى.
▪️فزارة وفروعها:
يقول الكاتب إبراهيم إسحاق إن ابن خلدون يخبرنا في تعداده لقبائل الزحفة الهلالية إلى المغرب أن فزارة العدنانية، والمعقل اليمانية، كانتا ضمن تلك الأحلاف، مندرجتين في هلال وفي الأثبج خاصة. ولما كان بدر الجمالي – كما يورد يوسف فضل – قد طارد أشتاتًا من فزارة عام 469هـ / 1076م، والعام الذي يليه، حتى راحوا إلى برقة، فإننا نفترض أن تلك الفئات المطاردة كانوا من بقايا فزارة في مصر، بعد النزوح الهلالي بنيف وعشرين عامًا. ثم يورد يوسف فضل، نقلاً عن ابن سعيد (ت 685هـ / 1274م) أن فزارة كانوا على عهده ببرقة وطرابلس الغرب. ويجد يوسف فضل عند القلقشندي أن فزارة كانوا بعد قرن من ذلك العهد قد امتزجوا بالبربر في إفريقية ومراكش. لكن أخبار فزارة في القرن الرابع عشر الميلادي تتوزع بين وجود فرقة منهم في مصر كما يخبرنا يوسف فضل نقلاً عن الحمداني، ويوجد فرق أخرى ببرقة وإفريقية كما يقول دروزة نقلاً عن ابن خلدون. وهؤلاء الأخيرون قد اندرجوا بالمغرب في بني سليم، كما اندرج المعقل اليمنيون كذلك في هلال وسليم. أما في الجزائر فقد ظلت المعقل مندمجة في بني هلال. ويعدد القلقشندي، كما يجد محمد عبد الرازق مناع سبعة بطون من فزارة كانوا في عصره برقة، أي في القرن التاسع الهجري / الخامس عشر الميلادي. وهؤلاء السبعة لا يزال النسابة، مثل مناع، يلقونهم في تلك الأرض المزروعة من ليبيا. لعل اقتراح يوسف فضل القائل بأن فزارة السودان هي تجمع من عدة قبائل يمثل الاتجاه الصحيح لمراقبة العلاقات التي ظلت تتبنى بين بطون قبلية مختلفة الأنساب، تناسقت تدريجيًا في المغرب بعد القرن الخامس الهجري، ثم حافظت على تناسقها ذلك مهما توزعت بها الديار، وهي ترحل بعيدًا في أصقاع البلاد الأفريقية. والقبائل الفزارية السودانية التي يمكن متابعتها في هذا الشأن هي: دار حامد والزيادية والمعالية والمعاقلة، وبنو جرار وبنو بدر، والأخيران ينسبان إلى دار حامد، وأخيرًا فرع من المحاميد. وكل هذه القبائل تستوطن كردفان ودارفور وتشاد بغرب وادي النيل، ولا تزال بها بداوة لحد ما. وأن محمد بن عمر التونسي الذي أورد أنه قد سمع عام 1803م بأن المحاميد وبني جرار والمسيرية الزرق والمجانين وبني عمران يشملهم اسم فزارة، وقد لقيهم الرحالة التونسي ببادية شمال دارفور وشرقها وهم يربون الإبل. فإذا أعدنا ترتيب تلك القبائل التي ذكرها التونسي في مجموعات نسبية، وجدنا أن بني جرار وبني عمران والمجانين يجتمعون على صعيد مقولات الأنساب السودانية، في دار حامد من فزارة الكردفانية. أما المحاميد والمسيرية الزرق فيصنفون حاليًا في أنساب جهينة غرب وادي النيل، ضمن العطاوة. وهذا التلخيص لعلاقات هذه القبائل قد يشير إلى وجود رباط وثيق بين العطاوة ودار حامد أو فزارة الأم، رباط نما خلال أعصر طويلة من المرافقة في الهجرات والتآزر. وفي التراث الشفهي بكردفان ودارفور، فالأفزر هو الجد المعلن لفزارة، مع التفاوت في صيغ اسمه الأول بين أشجار النسب عند قبائل التجمع الجهني بغرب النيل، غالبًا ما يعرف لديهم بصفته شقيقًا للأجذم الجد المقول به للجهنيين والذي تتفاوت أيضًا صيغ اسمه الأول بين هذه القبائل. هكذا نجد الأفزر والأجذم شقيقين عند رواة الرحالة الألماني ناختيقال في دارفور، وعند الحمر الفلايتة وعند الحوازمة من أعراب كردفان وبين التعايشة الدارفوريين. فإذا نظرنا إلى أن دار حامد عامة يقولون إنهم حلوا في شمال دارفور لعدة أجيال، قبل رحيلهم إلى ديارهم الحالية بكردفان، اقترب هذا الدليل بنا تجاه تأكيد مرافقتهم للعطاوة، وذلك حسب ما ذكرناه عن خطوط هجرات العطاوة وفزارة وبني هلبا الجذاميين وسليم جنوبًا نحو إفريقية عبر الصحراء، ويبقى علينا إيجاد المزيد من الشواهد التي قد تدعم الاحتمالات القائلة بقدوم دار حامد وفروعها الفزارية من المغرب، ضمن تلك التحركات الأعرابية الجامعة والمتوالية.
يعترف ماكمايكل بمعقولية الربط بين المعاقلة في كردفان ودارفور، وبين المعقل الذين ذكرهم ابن خلدون والحسن بن الوزان ومارمول في المغرب العربي. وهؤلاء هم المعقل اليمنيون أنفسهم الذين انضموا إلى بني هلال وبني سليم في هجرتهم الكبرى إلى المغرب في القرن الحادي عشر الميلادي. كذلك يورد الناصري اعتمادًا على ابن حزم مرة، وعلى ابن خلدون مرة أخرى، أن المعقل كانوا أوفر قبائل العرب عددًا بالمغرب الأقصى، خلال القرون من الحادي عشر، حتى الرابع عشر الميلادي، وأن مواطنهم كانت بالقفار من تلك الأرض، أي من تلمسان غربًا حتى المحيط الأطلسي، متجهة نحو الصحاري. وندرك من هذا السرد أن المعقل دخلوا المغربين مع الفروع الهلالية والسلمية، وتكاثروا بينهم، كما اجتمعت عليهم ممن سار في الهجرة الهلالية أو لحقها فزارة وأشجع وسواهم. ثم إن ماكمايكل يقول إن بني جرار هم أقرب الأعراب السودانية للدعوة إلى فزارة، كما يضع احتمالاً لإيجاد الصلة بين هذا الفرع الكردفاني من فزارة وبين الفزاريين الذين كانوا بمصر العليا في القرن الخامس عشر الميلادي. والبزعة معروفة نسبًا بأنهم بطن في دار حامد الكردفانية الفزارية وأن لهم قرابة حميمة مع بني جرار. لكن عبد المجيد عابدين يسمع في كردفان عام 1960م، من البزعة، أو ربما ممن يعرف أنسابهم، بأن البزعة قد جاءوا أصلًا من شمال إفريقية. ثم نجد عند الناصري فيما ينقله دروزة أن إسماعيل بن الرشيد أحد ملوك الدولة العلوية بالمغرب الأقصى، كان قد غزا صحراء السوس حتى بلغ تخوم بلاد السودان، ووجد عدة قبائل أعرابية من بينهم أولاد جرار. ونعتقد أن المضاهاة بين أولاد جرار هؤلاء بالمغرب العربي، وبين بني جرار في دار حامد الفزاريين، تقوم دعائمه على الإشارات السالفة إلى المعقل والفزارة والبزعة، وعلاقاتهم بين المغرب الكبير وبلاد السودان الأوسط. قبائل المجموعة الفزارية المتحالفة مع هلال وسليم تكون بذلك قد حافظت على أطوار مترابطة من الترحال المتصاحب.
▪️الهلباوي جمعان العويصي قائدًا لهجرات بني هلبا والعطاوة وفزارة إلى بلاد السودان
يسترسل الكاتب في الاحتمالات التي من الممكن أن تجعل جمعان العويصي قائدًا للهجرة، وفقًا للروايات الشفهية في دارفور التي تقول إنه قد قاد هجرات بني هلبا والعطاوة وفزارة إلى بلاد السودان الأوسط، كان قد وجد في الضرائب المغربية أو التركية على العربان فانساح بجموعهم، بعد أن استدرجهم إلى الاضطرار للهروب بقتله مندوب السلطة، عبر الصحراء إلى شمال دارفور وتشاد، وانتقلت بقايا من تكتلات الشاوية والعربان الذين ذكر عصيانهم الحسن بن الوزان بجنوب تونس في القرن العاشر الهجري مع هؤلاء الجموع حتى وصلوا إلى برنو. ويرد في التراث الشفهي الدارفوري عن مندوب خليفة الرسول البغدادي ولد السودة، ولحاقه بالأعراب واغتيالهم إياه، وذلك طالما نعلم بأن الخلافة الإسلامية كانت قد انتقلت إلى العثمانيين بعد عام 923هـ / 1517م بفتحهم لمصر، وانتزاعهم الخلافة من العنصر العربي.

يناير 2025

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى