تقارير وحوارات

خبراء وأكاديميون: إمتحانات الشهادة بمناطق حكومة السلام معركة وطنية لإنقاذ مستقبل الأجيال

إدراك _ المحرر

أكد خبراء وتربويون سودانيون أن خطوة حكومة السلام بتنظيم امتحانات الشهادة السودانية في مناطق سيطرتها تمثل مبادرة وطنية وإنسانية بالغة الأهمية، تسهم بصورة مباشرة في حماية مستقبل آلاف الطلاب الذين تسببت الحرب في حرمانهم من الاستقرار التعليمي، كما تفتح نافذة أمل حقيقية أمام جيل كامل يواجه خطر الضياع بسبب استمرار النزاع والانقسام السياسي والجغرافي الذي تعيشه البلاد منذ اندلاع الحرب.

وتأتي هذه الخطوة في وقت يواجه فيه القطاع التعليمي واحدة من أسوأ الأزمات في تاريخه الحديث، بعد أن أدت الحرب إلى إغلاق آلاف المدارس، وتعطيل الدراسة في عدد كبير من الولايات، إضافة إلى تشريد ملايين الأسر داخل السودان وخارجه، الأمر الذي انعكس بصورة كارثية على مستقبل الطلاب ومسار العملية التعليمية برمتها، وسط تحذيرات متزايدة من اتساع رقعة الفاقد التعليمي وتهديد مستقبل أجيال كاملة.

ويرى مراقبون أن استمرار تعطيل التعليم لفترات طويلة لا يهدد الطلاب وحدهم، بل يهدد أيضاً مستقبل الاستقرار الاجتماعي والسياسي والاقتصادي في السودان، باعتبار أن التعليم يمثل الركيزة الأساسية لبناء الدولة والحفاظ على تماسك المجتمع في أوقات الأزمات والحروب.

التعليم حق لكل السودانيين

وقال الأستاذ حامد يعقوب محمداني إن قرار حكومة السلام بتنظيم امتحانات الشهادة السودانية في مناطق سيطرتها يمثل موقفاً وطنياً مسؤولاً يعكس إدراكاً عميقاً لخطورة الأزمة التعليمية التي خلفتها الحرب، مؤكداً أن حماية مستقبل الطلاب يجب أن تبقى أولوية تتقدم على الخلافات السياسية والعسكرية.

وأوضح محمداني في حديثه لـ”إدراك”، أن التعليم ظل لعقود طويلة أحد أهم عوامل الوحدة الوطنية في السودان، حتى خلال فترات النزاعات السابقة، مضيفاً أن الحفاظ على استمرارية العملية التعليمية يمثل ضرورة استراتيجية لحماية النسيج الاجتماعي ومنع انهيار مؤسسات الدولة مستقبلاً.

وأشار إلى أن المجتمعات التي تفقد مؤسساتها التعليمية تدخل غالباً في دوائر ممتدة من الفقر والعنف والانهيار الاجتماعي، مبيناً أن استمرار التعليم ولو في الحد الأدنى يعد رسالة مهمة بأن حكومة السلام وشعوبها لايزالان قادرين على حماية الأجيال القادمة رغم ظروف الحرب القاسية.

وأضاف أن “الطلاب ليسوا طرفاً في الحرب، ولا يجوز معاقبتهم بسبب تعثر الحلول السياسية”، مشيراً إلى أن تنظيم الامتحانات في مناطق سيطرة حكومة السلام يبعث برسالة واضحة مفادها أن مستقبل الطلاب يجب أن يظل أولوية فوق كل الاعتبارات السياسية والعسكرية.

خطوة إنسانية لحماية جيل كامل

من جانبه، وصف الأستاذ ضحية محمد صالح مبادرة حكومة السلام لتنظيم الامتحانات بأنها خطوة إنسانية شجاعة استجابت لمعاناة آلاف الأسر السودانية التي أصبحت عاجزة عن تأمين مستقبل أبنائها الدراسي بسبب الحرب والنزوح والانهيار الاقتصادي، معتبراً أن توفير فرصة الجلوس للامتحانات يمثل بارقة أمل حقيقية لجيل مهدد بالضياع.

وأشار صالح في حديثه لـ”إدراك”، إلى أن حرمان الطلاب من الامتحانات بسبب مواقعهم الجغرافية أو ظروف الحرب يمثل شكلاً من أشكال التمييز غير المقبول، مؤكداً أن أي دولة مسؤولة مطالبة بضمان وصول التعليم لكل الأطفال والشباب دون استثناء، بغض النظر عن الظروف السياسية أو العسكرية.

وأضاف أن عدداً كبيراً من الأسر السودانية بات يعيش حالة من القلق والخوف على مستقبل أبنائه بعد تعطل الدراسة لأشهر طويلة، خاصة مع تراجع فرص التعليم وغياب الاستقرار وانهيار كثير من الخدمات الأساسية في مناطق الحرب.

وأوضح أن المجتمعات المحلية والسلطات المدنية في مناطق عديدة اضطرت خلال الفترة الماضية إلى البحث عن حلول بديلة للحفاظ على مستقبل الطلاب، بعد تعثر المؤسسات الرسمية في أداء دورها القومي، معتبراً أن تنظيم الامتحانات يمثل خطوة عملية تمنع ضياع عام دراسي جديد على آلاف الطلاب الذين أصبحوا مهددين بفقدان مستقبلهم الأكاديمي بالكامل.

وشدد صالح على أن إنقاذ العملية التعليمية لم يعد قضية خدمية فقط، بل تحول إلى قضية أمن قومي ترتبط بحماية المجتمع من الانهيار والتفكك، مؤكداً أن الأجيال التي تُحرم من التعليم تصبح أكثر عرضة للفقر والاستغلال والتطرف والعنف.

استاذ جامعي: الواجب الوطني والأخلاقي يقتضي فتح قاعات الامتحانات أمام جميع الطلاب أينما كانوا،  بعيدا عن سياسات الإقصاء والعقاب الجماعي

التعليم أحد أدوات حماية المجتمعات

بدوره، اعتبر الخبير الاكاديمي والمحاضر بجامعة الدلنج، الدكتور إبراهيم الضي أن إقدام حكومة السلام على تنظيم إمتحانات الشهادة السودانية رغم الظروف الأمنية والإنسانية المعقدة يمثل خطوة استراتيجية مهمة للحفاظ على استمرارية التعليم ومنع الانهيار الكامل للمؤسسات التعليمية في مناطق واسعة من السودان.

وقال الدكتور إبراهيم إن استمرار تعطيل التعليم ستكون له آثار مدمرة على الأجيال القادمة وعلى مستقبل الاستقرار الاجتماعي والسياسي في السودان، موضحاً أن خسارة التعليم لا تقل خطورة عن الخسائر الإنسانية والاقتصادية التي خلفتها الحرب.

وأضاف أن التجارب الدولية أثبتت أهمية استمرار العملية التعليمية حتى في ظروف الحروب والكوارث، باعتبار التعليم أحد أهم أدوات حماية المجتمعات من الانهيار والتفكك والتطرف، إضافة إلى دوره في إعادة بناء الدول بعد انتهاء النزاعات.

وقال إن “الحروب تنتهي في نهاية المطاف، لكن الفاقد التعليمي يترك ندوباً تمتد لعقود”، مؤكداً أن الواجب الوطني والأخلاقي يقتضي فتح قاعات الامتحانات أمام جميع الطلاب أينما كانوا، بعيداً عن سياسات الإقصاء والعقاب الجماعي.

وأشار إلى أن القوانين والمواثيق الدولية تكفل حق التعليم باعتباره حقاً أصيلاً لا يجوز مصادرته أو ربطه بالخلافات السياسية والعسكرية، داعياً إلى تحييد العملية التعليمية بشكل كامل عن الصراع الدائر في البلاد.

كما حذر من أن استمرار تعطيل التعليم سيدفع أعداداً كبيرة من الطلاب إلى التسرب من المدارس والانخراط في أوضاع اجتماعية واقتصادية خطيرة، وهو ما قد يفاقم الأزمات المستقبلية في السودان ويؤدي إلى إنتاج جيل يعاني من الحرمان والتهميش وضعف الفرص.

وأكد أن أي جهد يُبذل اليوم للحفاظ على التعليم يمثل استثماراً مباشراً في مستقبل السودان، موضحاً أن الدول التي نجحت في تجاوز آثار الحروب كانت حريصة على حماية المدارس والجامعات واستمرار الامتحانات باعتبارها جزءاً أساسياً من معركة الحفاظ على الدولة والمجتمع.

حقوق الطـلاب

يرى متابعون أن تنظيم امتحانات الشهادة السودانية في مناطق حكومة السلام قد يشكل خطوة مهمة نحو حماية حق الطلاب في التعليم، ويمثل محاولة لتخفيف آثار الحرب على الأجيال الجديدة، في وقت تتزايد فيه الدعوات المحلية والدولية لتحييد القطاعات الإنسانية والخدمية وعلى رأسها التعليم عن الصراع السياسي والعسكري المستمر في البلاد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى