إمتحانات الشهادة السودانية في مناطق التأسيس عندما تسقط أسطورة المركزية “الموية بتكضب الغطاس”
مصعب دلدوم

لعقود طويلة ظل الخطاب المركزي في السودان يروج لفكرة أن الدولة لا يمكن أن تعمل إلا من العاصمة وأن الخدمات السيادية الكبرى وعلى رأسها التعليم لا يمكن إدارتها إلا عبر مركز واحد يحتكر القرار والتخطيط والتنفيذ. لكن ما نشهده اليوم من انعقاد امتحانات الشهادة السودانية في مناطق التأسيس يمثل حدثاً يتجاوز كونه مجرد عملية تعليمية ليصبح تحولاً سياسياً وإدارياً عميق الدلالة.
فالامتحانات ليست أوراقاً وأسئلة وقاعات مراقبة فحسب بل هي اختبار لقدرة المؤسسات على الإدارة والتنظيم وتقديم الخدمات العامة. وعندما تتمكن مناطق ظلت لسنوات توصف بأنها هامشية أو بعيدة عن المركز من تنظيم امتحانات الشهادة وإدارتها وتأمينها والإشراف عليها فإن ذلك يقدم نموذجاً عملياً لما تعنيه الفدرالية الإدارية الحقيقية.
لقد أثبتت التجربة أن المجتمعات المحلية قادرة على إدارة شؤونها عندما تُمنح الصلاحيات والموارد اللازمة. فالطالب الذي يجلس اليوم لأداء امتحانه في إحدى مناطق التأسيس لا يشارك فقط في تقييم مستواه الأكاديمي بل يشارك بصورة غير مباشرة في إثبات أن الخدمات العامة يمكن أن تُدار بالقرب من المواطنين وأن احتكار المركز للقرار ليس قدراً محتوماً.
إن جوهر الفدرالية الإدارية لا يتمثل في تقسيم السلطات على الورق وإنما في قدرة الأقاليم على إدارة الملفات الحيوية بكفاءة ومسؤولية. والتعليم يمثل أحد أهم هذه الملفات. وما يحدث اليوم يؤكد أن مستقبل الإدارة العامة في السودان يجب أن يتجه نحو تمكين الأقاليم والمحليات لا نحو إعادة إنتاج المركزية التي أثبتت فشلها في تحقيق التنمية المتوازنة والعدالة في توزيع الخدمات.
لقد كانت المركزية في كثير من الأحيان سبباً مباشراً في حرمان ملايين السودانيين من فرص متكافئة في التعليم والصحة والخدمات الأساسية. وكانت المسافات الشاسعة بين متخذ القرار والمواطن سبباً في بطء الاستجابة وتعقيد الإجراءات وتراكم المظالم التنموية. أما اليوم فإن تجربة تنظيم الامتحانات خارج قبضة المركز التقليدي تقدم دليلاً عملياً على أن البدائل ممكنة وأن المؤسسات المحلية تستطيع تحمل مسؤولياتها متى ما توفرت الإرادة السياسية والثقة المجتمعية.
إن الرسالة الأهم التي تحملها هذه الامتحانات ليست نجاح الطلاب فحسب وإنما نجاح فكرة أن السلطة والخدمة يجب أن تكونا أقرب إلى الناس. فالدول الحديثة لا تُقاس بمدى تركيز السلطة في العاصمة بل بقدرتها على توزيع الصلاحيات وتمكين الأقاليم من إدارة شؤونها ضمن إطار وطني جامع.
لذلك فإن امتحانات الشهادة السودانية في مناطق التأسيس تمثل أكثر من محطة تعليمية. إنها إعلان عملي بأن السودان الجديد لا يُبنى من مركز واحد ولا تُدار شؤونه بعقلية الوصاية القديمة. إنها إعلان عن ميلاد واقع سياسي وإداري جديد تنتقل فيه السلطة والخدمة والقرار إلى حيث يوجد المواطن وتوجد الحاجة الحقيقية للتنمية.
لقد أثبتت هذه التجربة أن المؤسسات لا تُبنى بالموقع الجغرافي وإنما بالإرادة والتنظيم والكفاءة. وأثبتت أن الأقاليم التي طالما اعتبرتها النخب المركزية مجرد أطراف قادرة على إدارة أعقد الملفات عندما تتوفر لها الفرصة. وهنا تسقط واحدة من أكبر أساطير الدولة المركزية وهي أن العاصمة وحدها تملك القدرة على الإدارة والتنظيم وصناعة المستقبل.
التاريخ لا يخلد الشعارات بل يخلد الوقائع. والواقع الذي يتشكل اليوم أمام أعيننا يقول بوضوح إن عهد المركزية المطلقة الذي حكم السودان لعقود طويلة يقترب من نهايته وإن مستقبل البلاد سيكون أكثر عدلاً واستقراراً عندما تصبح الأقاليم شريكاً كاملاً في إدارة الدولة وصناعة القرار وتقديم الخدمات. وما امتحانات الشهادة السودانية في مناطق التأسيس إلا دليل عملي جديد على أن المستقبل يُصنع في الميدان لا في مكاتب المركز وأن إرادة المجتمعات أقوى من كل النظريات التي حاولت حصر السودان داخل حدود العاصمة.


