مقالات واراء

اما حكاية ! القُبة “لُب ” ام درمان

إيهاب مادبو

في فضاء تتقاطع فيه الوقائع مع التأويلات، وتتشابك فيه الحقيقة مع الظلال، تداول ناشطون على منصات التواصل الاجتماعي صورا تظهر أفرادا يتبعون للمنشق من قوات الدعم السريع، “النور القبة”، وهم يتجولون في شوارع أم درمان.

لم يكن المشهد عابرا في دلالاته، بل استقبل بسخرية لاذعة من بعض الناشطين المنتمين إلى ما يمكن تسميته بـ”مركز السلطة النخبوي”، وكأن هذه الصور لم تكن مجرد لقطات ميدانية، بل مرآة تعكس اختلالا أعمق في بنية الإدراك السياسي والاجتماعي.

غير أن القراءة السطحية لمثل هذه الوقائع قد تحجب ما يجري في طبقات أعمق من المشهد، فوفقا لمتابعاتي الصحافية، قد يبدو أن ثمة “هدنة” تتشكل ملامحها في الخفاء، بعيدا عن أعين”الإخوان”_الكيزان_ التي لعبت سابقا دورا في إجهاض تفاهمات ومبادرات مشابهة.

ولعل أبرز تلك المحطات كان اتفاق “المنامة” بين عبدالرحيم دقلو والكباشي، وهو اتفاق كاد أن يفتح أفقا مختلفا، ليس فقط لوقف الحرب، بل لإعادة توجيه المسار نحو تحول مدني وديمقراطي طال انتظاره. لكن، كما في كل مرة، تدخلت إرادات مضادة، لتعيد عجلة الصراع إلى نقطة الصفر.

وإذا كانت الحروب تقاس عادة بقدرتها التدميرية المادية، فإن هذه الحرب تحديدا كشفت عن بُعد أكثر خطورة، يتمثل في تفشي خطاب الكراهية، خطاب لم يكتفِ بالتحريض، بل سعى إلى إعادة تعريف بعض الشعوب السودانية عبر تصنيفات إقصائية، تصفهم بـ”عرب الشتات” أو “أبناء الضيفة”، في محاولة لتغريبهم عن نسيجهم الوطني.

وقد تعزز هذا الخطاب عبر ما سُمّي بـ”قانون الوجوه الغريبة”، الذي أسهم في تكريس تنميط إثني قبيح، فتح الباب أمام انتهاكات جسيمة شملت القتل والتوقيف والاعتقال، خاصة بحق مجتمعات غرب السودان.

إن مواجهة هذا الخطاب لا يمكن أن تتم عبر الإنكار أو التجاهل، بل تتطلب تفكيكه من جذوره، والاشتباك معه معرفيا وأخلاقيا، فالسودان، في جوهره، ليس كيانا أحاديا، بل هو نسيج معقد من التداخلات الاجتماعية والثقافية، حيث تتقاطع الهويات وتتداخل الأصول، في صورة تجعل من أي محاولة للتصنيف القسري ضربا من العبث التاريخي.

إن إعادة الاعتبار لهذه الحقيقة تمثل الخطوة الأولى نحو امتصاص أي صدمة قد تنجم عن سرديات الهدنة المرتقبة،ولااستبعد أن تأتي هذه الهدنة على حين غرة، كما يأتي المطر في غير موسمه، لتفاجئ السودانيين كما فاجأتهم الحرب ذاتها، التي اندلعت فجأة وتحولت إلى واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم.

فالتاريخ القريب علمنا أن ما يدار في الخفاء غالبا ما يتجلى دفعة واحدة، دون مقدمات واضحة،كما أن الغموض الذي أحاط بالزيارة الأخيرة للبرهان إلى دولة لم يُفصح عنها، يضيف طبقة أخرى من التعقيد إلى المشهد.

فمثل هذه التحركات، حين تُدار بسرية، لا تُقرأ فقط كخطوات دبلوماسية، بل كإشارات إلى تحولات محتملة في موازين القوى، أو إلى تفاهمات لم تنضج بعد للعلن.

وفي نهاية الحكاية، يقف السودان اليوم على حافة مفصل تاريخي، حيث تتنازع مستقبله إرادتان: إرادة تستثمر في الانقسام وتغذيه، وأخرى تحاول—ولو بصمت—أن تعيد بناء المعنى من بين الركام.

وبين هاتين الإرادتين، يبقى السؤال معلقًا: هل ستنتصر لغة العقل والتسوية، أم يستمر الانزلاق في متاهة العنف والإنكار؟ إن الإجابة، وإن بدت مؤجلة، إلا أنها ستتجلى حتما، لا في البيانات الرسمية، بل في مصير السودانيين الذين يدفعون ثمن هذا الصراع كل يوم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى