
قرار بنك السودان تبديل العملة من شأنه أن يكرّس للإنفصال وتقسيم البلاد لمنطقتين علي اساس السيطرة بين الطرفين الدعم والجيش.
تمّثل العملة رمزاً للسيادة بجانب “العلم” والإتجاه نحو تغيير العملة في ظل تنامي خطاب الكراهية من قبل جماعة الإسلام السياسي يعزز فرضية تقسيم البلاد وهي الهدف الإستراتيجي من إشعالهم لهذه الحرب.
وبالمنطق فإن قرار بنك السودان يمكن أن يؤدي إلى المزيد من التعقيدات السياسية ويشجع علي الإنفصال الإداري مما قد يؤدي إلى تشكيل حكومة برأسين او بنظامين ماليين مختلفين، فتغيير العملة خطوة تصعيدية وتمرين على الانفصال النقدي الذي يعقبه انفصال سياسي وجغرافي.
وفكرة تقسيم السودان الي عدة دول هي فكرة ” إخوانية” قديمة فيما عرفت بـ” مثلث حمدي” والتي تتركز في فصل (جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق ودارفور وشرق وأقصى شمال السودان، وتكوين دولة موحدة من المثلث الجغرافي ( (دنقلا وسنار والأبيض)، تضم ولايات من وسط السودان وهي (سنار، الجزيرة، النيل الأبيض، شمال كردفان) وولايات من شمال السودان وهي (نهر النيل وجزء من الولاية الشمالية ـ دنقلا) وحاجج حمدي وقتها بعدم انسجام الأقاليم المستبعدة ثقافياً مع مثلثه، ممّا يعيق الاستثمار ويصعب تحقيق التنمية المستدامة.
وبعد الإطاحة بالبشير، أطلقت جماعة الإخوان ممثلة في (حزب المؤتمر الوطني) بعض كوادرها المغمورة لإحياء فكرة مثلث حمدي مع إضافة شرق السودان وأقصى الشمال إليه، وذلك لسببين جوهريين؛ أوّلهما إيجاد منافذ بحرية على البحر الأحمر (شرق البلاد)، وثانيهما احتواء أقصى الشمال النوبي المُتاخم لمصر والذي يضم جماعة نوبية تسكن مناطق (حلفا / سكوت/ محس) بعد أن استبعده حمدي عن مثلثه المقترح وضمه إلى محور منطقة دنقلا التي تضم جماعة نوبية أكثر قرباً وانسجاماً مع الجماعة العربية في شمال البلاد.
وتبلورت تلك الفكرة المنبثقة عن دولة مثلث حمدي، فيما عرفت في أدبيات مروجيها بوسائل التواصل الاجتماعي بدولة (النهر والبحر) ويُقصد بالبحر (البحر الأحمر ـ شرق السودان) وبالنهر (نهر النيل وفروعه)، وتضم الدولة المتصورة أقاليم شرق السودان والنيل الأبيض والجزيرة وسنار وشمال كردفان، وتستبعد أقاليم دارفور وجنوب كردفان وجنوب النيل الأزق، متوسلة خطاباً شعبوياً وعنصرياً، لم يجد رواجاً إلا إبّان الحرب الحالية.
حيث أشاعت جماعة الإخوان أنّ ما يجري ممّا سمّته تمرداً من قوات الدعم السريع التي قوامها الجماعات العربية في دارفور وكردفان، هو غزو أجنبي بجنود مرتزقة من (تشاد والنيجر ومالي) ضد الجماعات العربية في شمال السودان المهيمنة على السلطة والثروة وقيادة المؤسسات العسكرية والشرطية والأمنية منذ استقلال السودان عام 1956.
وبناءاً على هذه الفكرة القائمة على تأسيس دولة (حمدي) على أنقاض السودان الراهن، سارع الإخوان بالموافقة على فصل الجنوب، ثم عمدوا إلى إثارة الحروب في بقية المناطق التي يسعون لفصلها من خلال إذكاء النعرات العرقية وتسليح المواطنين وتأسيس الميليشيات القبلية وتأجيج النزعات العرقية واختلاق الحروب بين القبائل المختلفة.
وتعمل جماعة الإخوان الآن، بعد أن أشعلت الحرب في الخرطوم بين الجيش والدعم السريع، على تحريض المواطنين في (مثلث حمدي) ونسختها المطوّرة (دولة النهر والبحر) ودعمهم في تفكيك السودان وبناء دولتهم الإسلامية العربية المزعومة على أنقاضها.


