تقارير وحوارات

سياسيون : تصنيف الإخوان منظمة إرهابية يضع الجيش السوداني أمام إختبار صعب

إدراك _ المحرر

يواجه الجيش السوداني تحدياً سياسياً وأمنياً معقداً بعد إعلان الولايات المتحدة تصنيف جماعة الإخوان المسلمين منظمة إرهابية، وهو قرار يُتوقع أن تتجاوز تداعياته الإطار القانوني ليطال توازنات السلطة داخل المؤسسة العسكرية ويعيد طرح أسئلة قديمة حول علاقة الجيش بالحركة الإسلامية.

ويأتي هذا التطور في وقت يخوض فيه السودان حرباً مدمرة منذ اندلاع الحرب في السودان 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع، ما يجعل أي تغير في موازين القوى داخل معسكر الحرب عاملاً قد يؤثر في مسار الصراع ومستقبل الدولة السودانية.

ويرى محللون أن القرار الأميركي يسلط الضوء مجدداً على الإرث السياسي والتنظيمي الذي خلفه نظام الرئيس السابق عمر البشير، الذي وصل إلى السلطة عبر انقلاب السودان 1989 بدعم مباشر من الحركة الإسلامية، وهي حقبة استمرت ثلاثة عقود وشهدت تداخلاً عميقاً بين المؤسسات العسكرية والتنظيمات الإسلامية.

إرث ثلاثة عقود من التداخل

ويقول الباحث في الشؤون السياسية عمار نجم الدين إن العلاقة بين الجيش والحركة الإسلامية “لم تكن مجرد تحالف سياسي عابر، بل بنية مؤسسية تشكلت تدريجياً خلال سنوات حكم البشير”.ويضيف نجم الدين أن تصنيف الإخوان كمنظمة إرهابية يضع القيادة العسكرية أمام معضلة حقيقية، لأن كثيراً من شبكات النفوذ داخل مؤسسات الدولة، بما فيها الأجهزة الأمنية والعسكرية، تشكلت في تلك الفترة.

وبحسب “نجم الدين”، فإن عدداً كبيراً من الضباط الذين صعدوا داخل المؤسسة العسكرية خلال التسعينات والألفية الأولى كانوا مرتبطين تنظيمياً وسياسياً بالحركة الإسلامية، الأمر الذي يجعل عملية الفصل بين المؤسستين أكثر تعقيداً مما يبدو ظاهرياً.

يضم الجيش السوداني،  كتلة غير متجانسة لا يزال بعضها مرتبط بالحركة الإسلامية وملتزمًا تنظيميًا معها

معركة الشرعية السياسية

من جهته يرى المحلل السياسي السوداني الصادق الزين أن القرار يأتي في سياق صراع أوسع حول الشرعية السياسية في السودان.ويقول إن سلطة بورتسودان تحاول تقديم نفسها إقليمياً ودولياً كسلطة تقف ضد الإسلام السياسي، خصوصاً في ظل سعيها للحصول على دعم سياسي وإقتصادي من شركاء دوليين وإقليميين.

لكن “الزين” يشير إلى أن المشكلة تكمن في أن المؤسسة العسكرية نفسها ليست كتلة متجانسة، بل تضم تيارات واتجاهات مختلفة، بعضها لا يزال مرتبطاً بالحركة الإسلامية وملتزما تنظيميا معها، ويرى أن تصنيف الجماعة قد يؤدي إلى تعميق الانقسامات داخل المعسكر الداعم للجيش بدلاً من توحيده، خاصة إذا فُسر القرار كاستهداف مباشر لشبكات نفوذ داخل المؤسسة العسكرية.

الصراع داخل المعسكر الإسلامي

بدوره يحذر الباحث في شؤون القرن الإفريقي عصام إبراهيم كوة من أن أي محاولة لإعادة رسم العلاقة بين الجيش والإسلاميين في هذا التوقيت قد تنطوي على مخاطر كبيرة،ويقول إن الجيش يخوض الحرب الحالية في ظل حضور واضح لتيارات إسلامية داخل صفوفه، مشيراً إلى دور مجموعات قتالية مثل كتيبة البراء بن مالك الجناح العسكري للحركة الإسلامية والمشاركة في القتال إلى جانب الجيش.ويضيف كوة أن الجيش يعاني أصلاً من أزمة قيادة وتوازنات داخلية، وهو ما سمح لقيادات محسوبة على الإسلاميين بملء الفراغ والتأثير في قرارات الحرب.

وبحسب كوة، فإن تصنيف الإخوان قد يؤدي إلى تفكيك هذه العلاقة المعقدة، ما قد يفتح الباب أمام صراعات داخلية بين أجنحة الإسلاميين، خصوصاً أن تاريخ الخلافات داخل هذه التيارات غالباً ما يتسم بالتوتر الحاد.

كما يرى كوة أن قائد الجيش البرهان يجد نفسه في موقف سياسي حساس، إذ يسعى من جهة إلى الحفاظ على تماسك معسكر الحرب، ومن جهة أخرى إلى طمأنة القوى الإقليمية والدولية عبر إظهار مسافة بين السلطة والجماعات الإسلامية.

ظل ملف الحركة الإسلامية مصدر قلق لعدد من العواصم العربية والغربية التى ترى فيه إعادة إنتاج للنموذج السياسي في عهد البشير

ضغوط إقليمية وحسابات دولية

ولايأتي قرار تصنيف الجماعة في فراغ سياسي، بل في سياق ضغوط إقليمية متزايدة لإبعاد الإسلاميين عن السلطة في السودان، فملف الحركة الإسلامية ظل لسنوات أحد مصادر القلق لدى عدد من العواصم العربية والغربية، التي ترى أن أي عودة قوية للإسلاميين قد تعيد إنتاج النموذج السياسي الذي ساد في عهد البشير.

ويقول دبلوماسي غربي سابق عمل في الخرطوم إن أي سلطة سودانية تسعى للحصول على دعم مالي أو سياسي دولي ستكون مطالبة بإثبات أنها لا تمنح الإسلاميين دوراً مؤثراً في الحكم أو داخل المؤسسات الأمنية.

إختبار صعب لمستقبل الجيش

وفي ظل هذه التطورات، يواجه الجيش اختباراً سياسياً معقداً: هل يستطيع إعادة تعريف نفسه كمؤسسة بعيدة عن الأيديولوجيا والتنظيمات السياسية، أم أن التداخل العميق بين الجيش والحركة الإسلامية سيستمر في تشكيل أحد عوامل أزمته الداخلية؟ ويرى مراقبون أن الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد فقط مستقبل المؤسسة العسكرية، بل قد ترسم أيضاً ملامح الدولة السودانية في مرحلة ما بعد الحرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى