مقالات واراء

حرب 15 أبريل: في نهاية أفق 19 ديسمبر وبداية ثورة البوادي

الطيب جلكامش

في السياق السوداني، نلاحظ أن موقع القوى الاجتماعية العربية الرعوية، التي تمثل قوات الدعم السريع مصالحها الاجتماعية العليا، كان من بين الطبقات غير المستفيدة تاريخيا من نموذج تراكم رأس المال وجهاز الدولة في السودان؛ كما أن الدولة، مستقلة شروطها الاجتماعية، التي اتخذت شكل صراع اجتماعي عنيف مع القوى الأفريقية في كردفان ودارفور، عملت بشكل ممنهج على عسكرتها في مليشيات مسلحة وقوات نظامية، من أجل حماية النظام السياسي القائم، أو دولة {56}، من انتفاضات وتمردات وثورات القوى الاجتماعية الأفريقية في الهامش. في المقابل، مدفوعة بمخاوف وجودية من الحراك المسلح للقوى الاجتماعية الأفريقية بكردفان ودارفور، تعسكرت هذه المجتمعات لصالح الدولة. ونؤكد هنا، أن القوى الاجتماعية العربية الرعوية وبالرغم من تحالفها السياسي والعسكري تاريخيا مع القوى الاجتماعية النهرية التي تهيمن على بيروقرطية الدولة إلا أنها ظلت في تناقض رئيس معها؛ ذلك أنها، وفقا لنموذجنا التفسيري الذي نطرحه هنا، ليست قوى اجتماعية مستفيدة من نموذج تراكم رأس المال وجهاز الدولة، وبالتالي فإن دولة 56 ليست دولتها كقوى اجتماعية، وإنما دولة إمتيازات القوى الاجتماعية النهرية. ونؤكد استنادا إلى ذلك، أن القوى الاجتماعية الرعويةكانت قد تعسكرت لصالح الدولة مدفوعة بمصالحها الاجتماعية العليا، وليس دفاعا عن الدولة فقط كما يبدو ظاهريا.

جدير بالذكر هنا، أن بداية تكشف التناقض الرئيسي بين قوات الدعم السريع والقوى الاجتماعية الرعوية من جهة، والجيش والقوى الاجتماعية النهرية من جهة أخرى، قد بدأ في عقب ثورة ديسمبر 2018م، نظرا لأن التحالف السياسي التاريخي بين القيادة السياسية التقليدية للقوى الاجتماعية الرعوية، خاصة الإدارات الأهلية، والقيادة السياسية للقوى الاحتماعية النهرية ممثلة في الجيش والأحزاب الحاكمة تاريخيا؛ كان يبقي هذا التناقض الرئيسي مخفيا. وحتى أكون مفهوما بشكل أفضل، أشير هنا إلى أن تمرد المجتمعات الأفريقي وإنتظامها في حراك مسلح في العام 2003م بدارفور، لم يكن مهددا للدولة فقط، وإنما لمصالح الاجتماعية العليا للمجتمعات العربية بدارفور بدرجة أولى؛ وذلك ما أدى إلى نجاح الدولة في عسكرة المجتمعات العربية بدارفور وكردفان، حتى توجت عمليات العسكرة هذه نهاية بإنشاء قوات الدعم السريع التي يتجاوز أعداد مقاتليها 100ألف مقاتل قبل الحرب. ونشير هنا إلى أن قوات الدعم السريع كانت، حتى اليوم الذي سبق 24 ديسمبر 2018م، عندما أعلن قائدها وقائد ثوار وثورة البوادي فيما، الفريق أول محمد حمدان دقلو، في خطاب شهير رفضة المشاركة في فض التظاهرات السليمة لثورة ديسمبر 2018م؛ كانت حتى تلك اللحظة، ممثلة لمصالح القوى الاجتماعية النهرية أكثر من كونها ممثلة لمصالح القوى الاجتماعية الرعوية ، ذلك أنها كانت تدافع عن دولة {56} وليس عن مصالح القوى الاجتماعية الرعوية. لكن في ذلك اليوم، الذي أعلن فيه قائد قوات الدعم السريع، الفريق أول، محمد حمدان دقلو، عن دعمه للتغيير، حدث متغير تاريخي مهم، حيث أصبح لقوات الدعم السريع خطابا سياسيا. ليس هذا فحسب، بل أصبح إنه خاطب سايسي ثوري يدعم التغيير وثورة ديسمبر 2018م.

إن ما نؤكده هنا، أن موقف قائد قوات الدعم السريع هذ، قد جعله في تناقض رئيسي مع الجيش والحركة الإسلامية الذين يمثلان النظام القديم. نتيجة لذلك، بدأ التناقض الرئيس بين القوى الاجتماعية الرعوية والقوى الاجتماعية النهرية بالتكشف؛ فأصبح هنالك أفق صدام بين الجيش والدعم السريع؛ وهو ما أجبر النظام الإسلامي على الانقسام والتضحية بالصف الأول من قيادته خوفا من حدوث مواجه عسكرية مع قوات الدعم السريع. لحظتها أيضا، بدأت قوات الدعم السريع في التحول من قوات عسكرية سلطوية إلى قوات عسكرية ثورية، ذلك أن موقف قائدها الطبقي قد تغيير، حيث أنه وبدلا من أن يكون داعما للطبقات الحاكمة تاريخيا ونظامها السياسي، تحول إلى داعم رئيس للثورة التي تعني ما بين ما تعني تغييرا حقيقيا. نستنتج استنادا إلى ذلك، أن الموقع الطبقي لقائد قوات الدعم السريع، وفقا للقاموس الماركسي، قد أصبح ثوريا وبالتالي معبرا عن مصالح للقوى الاجتماعية الرعوية التي ينتمي إليها. عقب ذلك، ساهم انقلاب 25أكتوبر، وإلى حد كبير، في كشف التناقض الرئيس المكان الكامن؛ ذلك أن الخلاف السياسي بين القوتين قد تعزز عقب أن أعلن قاىد الدعم السريع- نائب رئيس مجلس السيادة وقتها- أن هذه الإجراءات هي انقلاب عسكري بقيادة عناصر النظام السابق للحركة الإسلامية، واعتذر عن المشاركة في هذا الانقلاب، الأمر الذي وضعه في مواجه مباشرة مع الجيش الذي تهيمن عليه الحركة الإسلامية. تاليا، تعمق الخلاف السياسي بين الدعم السريع والجيش بشكل أكبر مع لحظة الاتفاق الإطاري 2023م، التي مثلت نقطة اللاعودة، ذلك أنه مثل وثيقة انتقالية تمهد لتغيير حقيقي في البلاد. نتيجة ذلك، تكسف التناقض الرئيسي بين القوتين ليصل نقطة اللاعودة، عقب أن وقع قائد الزعم السريع على الاتفاق، فيما رفض قائد الجيش ذلك، لتصبح المواجهة حتمية. نستنتج، أن الدعم السريع تحول عقب ثورة ديسمبر 2018م، إلى داعم حقيقي للتغيير ولابد من إزاحته.

نستنتج من ذلك، أن لحظة 19 ديسمبر كانت لحظة فارقة في تاريخ السودان، حيث كانت لحظة بداية تكشف التناقض الرئيسي بين الدعم السريع والجيش، ذلك أن التغيير الذي بدأ سلميا اكتسب داعما عسكرية قويا هو الدعم السريع، وهذا ما جعله يتحول إلى موقع الحامل الثوري لمسعل التغيير، وما يبرر القضاء عليه من قبل القوى الاحتماعية النهرية. في 15 أبريل تفحر التناقض الرئيسي الذي كان كامنا بين القوى الرعوية والقوى الاحتماعبة النهرية، عقب أن شرع كل من الجيش والحركة الإسلامية في تنفيذ خطتهما للقضاء على الدعم السريع. لكن، تكن قيادة الجيش والحركة الإسلامية مدركة، أن خطة القضاء على الدعم السريع ستفجر، عفويا، ثورة اجتماعية؛ ذلك أن مهاجمة الجيش لقوات الدعم السريع صباح 15 أبريل 2023، كانت تعني أن المعركة ستتحول مباشرة من كونها بين مؤسستين عسكريتين إلى صراع مفتوح بين قوى اجتماعية؛ وذلك ما يفسر جخافل الفزع التي وفدت إلى الخرطوم من القوى الاجتماعية الرعوية، من أجل مناصرة الدعم السريع مباشرة عقب اندلاع الحرب.

ونؤكد هنا، أن قابلية الدعم السريع للتحول إلى قوة ثورية، كانت تكمن في كونه يمثل أيضا ثورة داخل البنى التقليدية للقوى الاجتماعية الرعوية؛ ذلك أن تسليح الدولة لجماعات مهمشة، وبالتالي جماعات في تناقض رئيسي معاها، يطلق صيرورة تشكل قيادات سياسية حديثة لهذه المجتمعات، تسحب تدريجيا التمثيل السياسي من الإدارات الأهلية، ومعها الشباب والقوى الاجتماعية الحية الأخرى؛ وهو ما يهدد بالنهاية ذلك التحالف السياسي بين القيادة السياسية للقوى الاجتماعية الرعوية والقوى الاجتماعبة النهرية، الذي كان يخفي التناقض الرئيس بين هذه القوى الاجتماعية والدولة ويبقيه ساكنا. بإختصار هنا، نؤكد أن ما تبقى من الوضعية التاريخية للجيش ليس مهددا من قبل الدعم السريع فقط، وإنما حتى من قبل الجماعات المسلحة التي تقاتل إلى جانب الجيش في وسط وشرق وغرب السودان، ذلك أن الوضع المتردي الذي يعيشه الجيش حاليا والذي يجعله في حاجة ماسة إلى خلق مزيد من المليشيات، كان أصلا قد نشأ نتيجة ما نسميه بسياسة المليشيات، وهي السياسة التي نعرفها بأنها لجوء الجيش إلى تنظيم وتدريب وتسيلح مجتمعات مهمشة من أجل مساندتها في قتال مجتمعات بتدأت تتنظم وتتسلح في حراك سياسي مطلبيو. وإذا ما جاز لنا استعارة عبارة لفيلسوف التاريخ والإقتصادي الألماني، كارل ماركس، وإن بتحريف، فيمكن أن نقول، إنه وفي اللحظة التي بدأت فيها دولة (56) بتسليح فيها القوى الاجتماعية الرعوية بغرب السودان، كانت بذلك تخلق بذلك حفاري قبرها، وتسلمهم المعاول”، ذلك أن هذه المجتمعات لم لا تحمل السلاح من أجل حماية الدولة التي لا تستفيد منها، وإنما من أجل حماية نفسها بشكل رئيسي؛ وهو ما يعني أن الجيش وبتسليحه للمليشيات التي تقاتل إلى جانبه حاليا، يخلق حفاري قبره الأخرين، والذين هم قوات دعم سريع أخرى قادمة، تهدد ما تبقى من وضعيته التاريخية.

إن اكتساب قوات الدعم السريع لوضعية الحامل الموضوعي للثورة السودانية، عقب حرب 15 أبريل، تؤكدها مسألتان مهمتان. الأولى هي أن قتال قوات الدعم السريع لجيش الدولة، الذي يمثل الحامي التاريخي للحكم الاحتكاري لللقوى الاجتماعية النهرية، قد خلق الأرضية التي يمكن لقوات الدعم السريع عبرها أن تتؤسس تحالفات سياسية وعسكرية مع القوى الاجتماعية المهمشة التي تشاركها نفس الشرط الاجتماعي. ونلاحظ أن ذلك قد في التحالف السياسي الذي تم بين قوى الاجتماعية الرعوية والقوى الاجتماعية الأفريقية التي ثارت سابقا على الدولة، خاصة الحركة الشعبية بجنوب كردفان والنيل الأزرق، وعددا من الفصائل المسلحة من القوى الاجتماعية الأفريقية بكردفان ودارفور، التي كانت تقاتلها الدعم السريع سابقا. وبعبارة أدق، تخلق الوضعية الثورية الجديدة لقوات الدعم السريع شروطا موضوعية لنشوء جبهة ثورية من قوى اجتماعية متباينه ولكنها تسترك في وجود تناقض رئيس بينها وبين الدولة، هدفه تحطيم جهاز الدولة القديم وتأسيس جهاز دولة جديد وبديل؛ وهي الجبهة التي بدأت بالتشكل في تحالف السودان التأسيسي والتي تويجت في حكومة الوحدة والتأسيس التي تم إعلانها السهر الماض. أما المسألة الثانية التي تؤكد ثورية الدعم السريع، فهي انتفاء أفق ثورة ديسمبر وبروز أفق ثوري جديد هو ثورة 15 أبريل؛ ذلك أن ثورة ديسمبر التي بدأت شعبية وبالتبع جذرية، تحولت عقب توقيع الوثيقة الدستورية، وتحول أحزاب المركز أو المعارضة الداخلية لدولة {56} إلى قيادة الثورة؛ تحولت إلى ثورة مدينية قوامهما أبناء الطبقات البورجوازية والوسطى المدينية؛ لتتحول بالتبع إلى حركة إصلاح سياسية. ولعل ذلك يعود بدرجة أولى إلى أن الطبقات المدينية التي هيمنت على ثورة ديسمبر 2018م، هي ذاتها الطبقات المستفيدة تاريخيا من الدولة، وهو ما يجعلها في تناقض ثانوي مع نظام الحكم القائم لأنه حكمها هي كطبقات مهيمنة. ونؤكد أن ذلك قد اتضح بشكل جلي لاحقا باسطفاف كثير من ثوار المدن الديسمبريين مع الجيش عقب اندلاع الحرب. ونستنتج من ذلك، أن أفق ثورة ديسمبر المديني وثواره المدنيين قد انزاح لصالح أفق ثوري جديد، هو أفوق ريفي رعوي، وثوار جدد هم ثوار البوادي والقرى والفرقان.

نوكد هنا، ويقينا، أن هذا الأفق الثوري الجديد، الذي نسميه بثورة البوادي والقرى والفرق، يقطع مع أفق ثورة ديسمبر 2018م المديني، الذي فشل في إحداث تغيير جذري في بنية السلطة، من ناحيتين. الناحية الأولى، هي الاختلاف من حيث القوى الاجتماعية الفاعلة في الثورة: حيث نلاحظ أن القوى الاجتماعية الرئيسية في ثورة ديسمبر كانوا ثوار المدن، أبناء الطبقات الوسطى والبورجوازية والرأسمالية. وبعبارة أدق، الطبقات المستفيدة تاريخيا من نموذج تراكم رأس المال وجهاز الدولة في السودان ، ومن هنا انتهاءها إلى التحول إلى مشروع سياسي إصلاحي. ونؤكد هنا أيضا، أن ما يدلل على تحول ثورة ديسمبر إلى مشروع سياسي إصلاحي، هو انحصار الفعل الثوري لها في تظاهرات احتجاجية في المدن عفب انحسار دعم المجمعات التقليدية في هوامش السودان، والتي كانت تجعل مطالب الثورة جذرية بالنظر إلى أن هذه المجتمعات مهمشة ومصلحتها في حدوث تغيرات جذرية في بنية السلطة. في المقابل نلاحظ أن القوى الاجتماعية الفاعلة حاليا في إنجاز هذه التغييرات الجذرية، هي قوى رعوية تقليدية مهمشة، فيما يجذب فعلها الثوري قوى اجتماعية الأخرى غير المستفيدة تاريخيا من الدولة.

من ناحية ثانية، يختلف الأفق الثوري ل 15 أبريل عن أفق ثورة ديسمبر من حيث الأهداف والنتائج. ونؤكد هنا أن ثوار المدن والأحزاب السياسية الحديثة -المعارضة الداخلية لدولة {55}، أو القيادة السياسية لثورة ديسمبر 2018م، لا يمكنهم إلا أن يكونوا إصلاحيي التوجهات، ذلك أن كلامهما ينتمي اجتماعيا إلى البورجوازية المدينية، المستفيد الرئيس من نموذج تراكم رأس المال في السودان؛ الأمر الذي يعني أن هنالك تناقضا ثانويا بينهم وبين النظام النهمين على جهاز الدولة ومؤسستها، وهو تناقض يكفي فقط لتأسيس ممارسة سياسية تهدف إلى إحداث إصلاحات في بنية النظام السياسي، لا إلى ممارسة سياسية ثورية؛ ومن هنا فشل أحزاب الحرية والتغيير المجلس المركزي في إحداث تغييرات جذربة عقب توقيع الوثيقة الدستورية، التي أفضت إلى تشكيل حكومة الثورة بقيادة عبد الله حمدوك. وباختصار هنا، إن النزعة الإصلاحية لثوار ديسمبر، والتي كانت تمنعهم من إحداث تغييرات جذرية في بنية النظام السياسي، كامنة في عدم وجود تناقض رئيسي بينهم وبينهم الدولة، وبالتبع نظامها السياسي، وهو ما أدى إلى تحولها إلى فعل احتجاجي أكثر من كونه فعلا ثوريا، وانتهاء أفقها بالتبع. ولعل ما يؤكد انتفاء أفق ثورة ديسمبر أيضا، هو انتفاء التناقض الثانوي بين ثوار المدن، الذين كانوا القوى الرئيسية في ديسمبر، ومجاهدي الحركة الإسلامية أو النظام القديم، خاصة اليساريين؛ للدرجة التي أصبح فيها من الصعب التمييز بين الشيوعي والإسلامي منهم؛ ذلك أن ثوار المدن ومجاهدي الحركة الإسلامية يتشاركون نفس الخلفية الاجتماعية، وهما من نفس الطبقات المستفيدة تاريخيا.

إننا نحاجج هنا، على أن عدم وجود تناقض رئيسي بين ثوار المدن ومجاهدي الحركة الإسلامية، يعود، وبدرجة أولى، إلى أنهما يتشاركان الخلفية الاجتماعية وبالتبع المصالح الاجتماعية العليا؛ حيث يعود كلاهما اجتماعيا إلى القوى الاجتماعية النهرية، وهو ما يجعلهما في تناقض ثانوي مع بعضهما كتشكيلات سياسية؛ وفي تناقض رئيسي، بوصفهما من نفس القوى الاجتماعية النهرية المهيمنة سياسيا، مع القوى الاجتماعية السودانية الأخرى المهمشة، خاصة القوى الاجتماعية الرعوية التي دكت الدولة؛ وذلك ما يبرر استطفاف ثوار المدن هؤلاء، مع الجيش الذي تهيمن عليه الحركة الإسلامية، والذي ثاروا ضد حكمه في ديسمبر 2018م، لحظة إندلاع حرب 15 أبريل. ونؤكدا هنا، أن ثوار المدن قد أدركوا لحظة 15 أبريل، وبحسرة شديدة، بينما يشاهدون ثوارا البوادي والقرى والفرقان يدكون دولة {56} وجيشها، أنه جيشهم هم بالذات وأنها دولة أمتيازاتهم كطبقات مدينية حديثة؛ فما كان إلا أن تطايرات من رؤوسهم الأيديولوجيات، التي كانت تقسمهم إلى يمينيين ويساريين، بنتفاء التناقض الثانوي الذي كان بينهم، فأصبحوا بين ليلة وضحاها يقاتلون في خندق واحد، دفاعا عن جيش الدولة كما يدعون، لا فرق بين شيوعييهم وإسلامييهم. لكنهم، وحسبما ندعي نحن، يقاتلون في خندق واحد دفاعا عن جيش دولة {56}، أو عن دولة إمتيازاتهم؛ ويتأتى ذلك من أن ثوار البوادي والقرى والفرقان قد هددوا وجودهم كقوى اجتماعية نهرية بدكهم لدولتهم، دولة {56}. ونقول هنا، ألا فرق بين الشيوعي والإسلامي نظرا لأن، “أم الكلب بعشوم” كما يقول المثل الرعوي.

في مقابل تحول ثوار المدن إلى دولتية معاتيه، كان الدعم السريع يتحول عقب ثورة ديسمبر 2028م من جماعة عسكرية سلطوية، إلى حامل موضوعي للثورة السودانية؛ وذلك ما يفسر أن ثوار البوادي والقرى والفرقان، القوى الاجتماعية الحية للثورة، كانوا جذريين في فعلهم وخطابهم تجاه الدولة عقب حرب 15 أبريل. ويتجلى تحول الدعم السريع إلى حامل موضوعي للثورة السودانية، في أن ثوار البوادي والقرى والفرقان قد دكوا الدولة القديمة عسكريا، كما أن خطابا ثوريا تحشيديا قد ظهر ليعمل كسردية ثورية تؤطر جحافل الثوار ساكني بيوت القش والخيام والقطاطي، في فعل ثوري منظم. ونحاجج هنا، أن ذلك يعود بدرجة أولى إلى أن قوات الدعم السريع تنتمي اجتماعيا إلى قوى اجتماعية مهمشة وفي تناقض رئيس مع الدولة، حيث أن أنهم لم يستفيدو منها تاريخيا إلا البندقية التي يقاتلونها بها؛ وهو ما يؤكد أيضا بروز أفق ثوري جديد، هو أفق ثوري للمجتمعات السودانية التقليدية في هوامش السودان، ومن هنا هي ثورة بوادي وقرى وفرقان، هذا في حين مثلت ديسمبر أفقا ثوريا للمجتمعات السودانية الحديثة، ومن هنا هي حراك سياسي مديني إصلاحي. ويتضح هذا الاختلاف بين كلا الأفقين من ناحية أخرى، هي طبيعة الفعل الثوري ذاته، حيث نلاحظ أن الفعل الثوري لثوار المدن كان يتم عن طريق الانتظام في جماعات سياسية ومدنية حديثة مثل الأحزاب السياسية ولجان المقاومة، هذا في حين يتم الفعل الثوري لثوار البوادي عن طريق الانتظام في الدعم السريع عبر جماعات سياسية ومدنية تقليدية مثل القبيلة، العشيرة؛ وهذا ما يفسر تضاعف أعداد مقتالي قوات الدعم السريع عدة مرات عقب الحرب. ونستنتج أن الدعم السريع قد تحول، عقب 15 أبريل، إلى حامل موضوعي لثورة المجتمعات التقليدية، والجهة الوحيدة التي بإمكانهم أن يتأطرو فيها في فعل ثوري منظم؛ واستنادا إلى ذلك نؤكد هنا، أن الدعم السريع لا يمثل ثورة جذرية بالنظر إلى ما فرضه من متغيرات كبرى داخل الاجتماع السياسي فحسب، بل حتى بالنظر إلى قابليته لتأطير كتل اجتماعية تقليدية في فعلي ثوري.

إن ثورية الدعم السريع يمكن أيضا أن تفهم وفقا لمفهوم غرامشي عن الثورة الشاملة، والذي هو تطوير لأطروحة ماركس التي نستند عليها هنا، حيث يرى غرامشي، الذي كان مهموما بالإجابة عن سؤال لماذا سقطت الدولة في روسيا القيصرية بينما لم تسقط في أوروبا الغربية بالرغم ارتفاع تناقضات النظام الرأسمالي لأعلى مستوياتها، أن الثورة لا بد تكون شاملة عن طريق خلق مجتمع سياسي ومدني جديد وبديل، ذلك أنه كان يرى أن الدولة قد سقطت في روسيا نظرا لعدم وجود مجتمع مدني قوى تستند عليه، بينما لم تسقط في أوروبا الغربية نظرا لوجود مجتمع سياسي ومدني بورجوازي مهيمن سياسيا وثقافيا وقوى ونستنتج من ذلك، أن الثورة، كما يرى غرامشي، لابد أن تكون عن طريق إنشاء هيمنة ثقافية وسياسية بديلة تقضي على الهيمنة البورجوازية. ويرى غرامشي أن ذلك لا يمكن أن يتم إلا عبر تأسيس جماعات سياسية وثقافية واقتصادية عمالية بديلة تحل تدريجيا محل المؤسسات السياسية والثقافية البورجوزاية. استنادا إلى هذا التحليل، نشير إلى أن ثورية قوات الدعم السريع لا تكمن في قدرتها على دك الدولة فحسب، بل أيضا في قدرتها على خلق مجتمع سياسي ومدني بديل، يتشكل بالتوازي مع فعله الثوري. ولعل ذلك ما يؤكد انتفاء الهيمنة السياسية والثقافية والاقتصادية للقوى الاجتماعية النهرية عبر جهاز الدولة القديم، في جغرافيا غرب السودان. ليس هذا فحسب، بل نلاحظ أت إن مؤسسات سياسية واقتصادية وثقافية جديدة تتبلور تدريجيا، نرجح أن ينتج عنه جهاز دولة جديد في هذه الجغرافيا. ونؤكد استنادا إلى هذا التحليل أيضا، أن دولة {56} لم تسقط في جغرافيا وسط-وشمال السودان، بل حتى أنها أبدت مقاومة شرسة للسقوط هناك، كما حدث في سنار والجزيرة والخرطوم. ونحن نعلل ذلك بوجود مجتمع سياسي ومدني قوى للقوى الاجتماعية في جغرافيا سنار التاريخية، الذي كان بمثابة دعامتها الرئيسية عقب دكها من قبل ثوار البوادي؛ ولعل أوضح ما يدلل على ذلك؛ اصطفاف الأحزاب السياسية الحديثة، رفقة ثوار المدن الديسمبريين وجماعات المجتمع المدني الحديثة الأخر، مع جيش الدولة، وهو ما مثل دعامة تسند الدولة من السقوط.

نرجح أن يثير عويلة دولة {56} الٱفلة، أن يثيروا حججا أخلاقية ضد تعريفنا لحرب 15 أبريل بأنها أفق ثوري جديد للقوى الاجتماعية المهمشة تاريخيا، ضد الهيمنة الاحتكارية للقوى الاجتماعية النهرية؛ حيث أنهم كثيرا ما يلجأون إلى قضية الانتهاكات لنفي ثورية قوات الدعم السريع. ونقول لهؤلاء، إننا لا يمكن أن نبرر عمليات النهب والسلب والقتل والتشريد التي يرتكبها منسوبي الدعم السريع؛ ولكننا في معرض تحليل لا إصدار أحكام أخلاقية، حيث ننشد توصيف الواقع الماثل لا الحكم عليه. ونقول لهما أيضا، إن عمليات السلب والنهب المصاحبة لحرب 15 أبريل، تؤكد أن هذه ثورة جذري؛ ذلك أنها لا تحدث من قبل جهة واحد وإنما من كل الجهات الفاعلة في هذه الحرب، حتى المواطنين؛ كما أنها تشير إلى أن الطبقات الفقيرة التي كانت تسكن الأحياء الطرفية قد جردت الطبقات الرأسمالية والوسطى من معظم ثروتها. ونؤكد أن هذا ليس تبريرا، ذلك أن السيف المذهب، كما يقول بورخيس، الذي قطع رأس والدي يظل جميلا رغم ذلك؛ والقصد أن هذه الانتهاكات واسعة النطاق، تؤكد أن ما ذهبنا إليه من أنها ثورة؛ ذلك أن كل ثورة فعل أعمى في جانب منها، وهذه الانتهاكات إحدى تمظهرات هذه الثورة

نؤكد أيضا أن ثورة البوادي والقرى والفرقات، ليست مجرد فعل سياسي إلى فعل اجتماعي هدام، بل هي فعل اجتماعي بناء في جانب منها، خاصة وأن حكومة جديدة، وبالتبع سلطة جديدة، قد بتدأت بالتشكل في غرب السودان؛ وهو ما يشير، ليس فحسب إلى انهيار مؤسسات الدولة القديمة أو تقلص فعاليتها في هذه الجغرافيا، بل أيضا إلى تبلور مركز سلطة لمركز اجتماعي جديد، واستحالة دولة(56) نتيجة لذلك. ونشير هنا إلى، أن ميثاق السودان التأسيسي، الذي يؤسس لحكومة الوحدة والسلام في كردفان ودارفور، يمثل أعلى تجلي لظهور نواة دولة السودان الجديد، ذلك أن عقدا اجتماعيا جديدا، تمثل في دستور السودان الانتقالي، قد تبلور بين قوى اجتماعية سودانية مؤثرة ووازنة. نتيجة لذلك، نلاحظ أن مجتمعا سياسيا ومدنيا جديدا قد بدأ بالتشكل في جغرافيا إقليم غرب السودان.

ختاما نقول، إن ثورة البوادي هذه، تفتح أفقا واسعا لسودان جديد، الذي يعني، من بين ما يعني، نظاما سياسيا جديدا يجترح مسارا جديدا لتراكم رأس المال، ولتطور القوى الاجتماعية في السودان. ولعل الوقت ما زال مبكرا على الجزم بنجاح ثورة البوادي في خلق دولة جديدة، ولكنه قد تأخر كثيرا لتأكيد أن دولة {56} انهارت في غرب السودان، وأن هنالك فرصة تاريخية كبرى، أمام ثوار البوادي والقرى والفرقان لدكها في كل جغرافيا السودان ككل. ولعل ما يبرر ادعاءانا هذا، أن شروط وجود دولة {56} قد انتفت وأنها الٱن تعاني من الانقسامات، ومهدد بالانهيار الداخلي حتى في جغرافيا سنار التاريخية. لذلك فلترتعد الطبقات الحاكمة تاريخيا في دولة {56} خوفا من ثورة رعوية لا تبقي ولا تذر، ذلك أن ليس لثوار البوادي ما يخسرونه سوى أغلالهم، وأمامهم عالما جديدا ودولة ليكسبونهما؛ فيا مهمشي السودان، في جميع الأقاليم، اتحدوا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى