الحلقة الثانية من سلسلة الرد على مقال: إسترجاع الحواضن.. واجب لا يؤخر “امين حسن عمر”
إسماعيل هجانة

بعنوان : العودة الى حظيرة الجلادين… إلا الخراف والبوابين!
هذا ليس بيانًا سياسيًا. إنه شهادة للأرض، وصوت لأولئك الذين رحلوا وتركوا لنا الحق سلاحًا، والعزة راية، والقصاص طريقًا.
من يكتب بعنوان “استرجاع الحواضن.. واجب لا يؤخر”، كمن يُلقي خطابًا جنائزيًا لمشروع سياسي مات وشبع موتًا، لكنه يُصرّ على إنعاشه بنفس أدوات الجريمة التي قتلته.
هذا العنوان وحده كافٍ لكشف النوايا: استرجاع لا اعتراف، استتباع لا شراكة، وصاية لا وطن.
إنها محاولة بائسة لإعادة تعريف الناس، لا كأحرار، بل كقُطعانٍ ضلّت طريقها ويجب “إعادتها” إلى الحظيرة!
لكننا لسنا قُطعانًا، ولسنا حواضنًا، ولسنا من تاه حتى يُعيدنا أحد.
هذا العنوان ليس فقط سقيمًا في بنيته، بل فاسدٌ في جوهره، لأنه قائم على عقلية ترى الشعب خادمًا لمشروع النخبة، لا شريكًا في الوطن.
فمن الذي فَقَد؟ ومن الذي يجب أن يُستَرجَع؟
نحن لم نغادر الوطن… أنتم من طردتم أنفسكم من ضمير الناس والإنسانية .
العنوان مستفز، بل وقح، لأنه ينطلق من عقلية استعلائية ما زالت تظن أن الناس أدوات تُؤخذ وتُسترجع، لا بشرًا لهم ذاكرة وإباء وحق.
لكن الحقيقة الأشد مرارة، أن لا الكاتب ولا الناقل يعرفون التاريخ جيدًا، ولا يدركون أن من “يُسترجع” هو ما ضاع…
أما نحن، فما ضِعنا… بل ثُرنا، وانتصرنا، وسنكتب نحن التاريخ هذه المرة.
الواجب الحقيقي الذي لا يؤخر… هو القصاص، لا الاسترجاع!
إلى د. بابكر محمد حسن حسن، وعبره إلى سيدكم المُبَجَّل “أمين حسن عمر”،
ما بيننا وبينكم ليس سجالًا في الفكر، ولا خلافًا في الرؤية… بل صراع جذري بين مشروعَي وجود:
مشروع شعبٍ يُقاتل من أجل حريته، وإبائه، وعزته، وإبائه المسلوب، بفعل مشروعكم الفاشل،
ذلك المشروع الذي دمر السودان، ومزق نسيجه الاجتماعي، وقسّمه جغرافيًا، وسياسيًا، وإنسانيًا، حتى فصلتم جنوبه، وغذيتم كل أسباب تفككه.
قسمتم الوطن، لا فقط إلى دولتين، بل إلى جراح وخرائط دم، إلى “مواطن درجة أولى” و”مواطن تحت المراقبة”،
إلى نخب حاكمة وشعوب مسحوقة، إلى قاعات سلطة، ومقابر مفتوحة.
هذا المشروع سقط أخلاقيًا، وما زال يتلظّى تحت ركامه، يبحث عن واجهات جديدة تعيد به إنتاج استبداده، بوجوه قديمة وخطاب مزيّن لا يخدع إلا من يريد أن يُخدع.
جئتمونا اليوم بمقال تُلوِّنون فيه الخطاب، وتستعطفون به القارئ،
وكأننا نسينا أنكم بالأمس القريب وصفتم الناس بـ”السرطان”، وقلتم يجب محوهم “بالسيف والنار”،
وزعمتم أننا “عرب الشتات” وأننا أجانب ولسنا بسودانيين.
دعني أقول لك:
“الجمل ما شايف عوجة رقبته”، و”البشبح شغلايته بتنشاف”.
وها أنتم قد شبحتم، وناطحكم من كان يغض الطرف عنكم حلمًا وأدبًا.
واليوم… لكم ما طلبتم. فبانت عورتكم…
فبيننا وبينكم تاريخ من الدماء، وأشلاء الأطفال والنساء، الذين ما زلنا ندفنهم حتى اللحظة.
حشدتم التقراي، والمصريين، والأكورانيين، وكتائبكم، وفرق الضبّاحين،
عشمًا في القضاء علينا كحواضن خلال ست ساعات…
وها هي عامان قد مرّا، والحرب سجال،
ونحن نكتب النهايات، ونراها اليوم أقرب من أي وقت مضى.
فاثبتوا… إن استطعتم.
دعونا نذكّركم بالمثل الذي يعرفه كل طفل في بلادي:
“الجاك متحزّم، قابلو عريان”.
لكننا لم نكن عُراة،
بل كنا محصنين بالإيمان، والعزة، وذاكرة لا تنسى.
أنتم اخترتم طريق تدميرنا، ونحن اخترنا طريق خلاص شعوبنا وتحريرها.
واجهنا ترسانتكم الكاملة:
من الطيران والقنابل، إلى الدعاية المُسمّمة،
وانتصبنا في وجهها لا نطلب غير حقنا المشروع في الحياة، وفي وطنٍ يقوم على العدالة والمساواة والسلام والحرية،
حرية تُحرركم أنتم من أوهامكم،
وتطهّركم من رجز شيطانكم…
ولا نهاب في الحق وقتالكم غير الله.
ما كتبته يا أمين، وما نقله حامل إبريقكم الأستاذ بابكر محمد الحسن، ليس عن “استرجاع الحواضن” كما تزعمون.
بل هو محاولة لترويض العقول، والالتفاف على ذاكرة شعوب قررت ألا تُخدع مرة أخرى، شعوبٌ تعلمت بالطريقة الصعبة: بالنار، والدم، والخديعة.
إنه نداء لا أخلاقي، محمّل بالكذب، مغموس في الزيف، مسنود بالتضليل، والتذاكي السياسي الرخيص.
نداء لا يهدف إلى مصالحة، بل إلى إعادة رسم خطوط السيطرة من جديد، لا عبر الحرب، بل عبر خطاب “التوبة السياسية” الكاذبة من كاتب وناقلٍ كذوب.
ألست أنت يا أمين من كنت مرجعًا ومؤسسًا لما سميتموه “فقه الضرورة”؟
فهل تظن أن بإمكانك اليوم إقناعنا بأنك قد انتقلت من تبرير كل منكر وقبيح، إلى مقام الوعي والاعتراف؟
نحن لم ننسَ، ولم تكن ذاكرتنا كذاكرة السمك، أيها الكذوب!
نحن نرسم الحاضر بوعي، ونعرف التاريخ عمومًا، وتاريخكم الأسود خصوصًا، حرفًا بحرف، وجريمةً بجريمة.
فنحن لسنا خرافًا، ولا عبيدًا في حظيرتكم، أيها المأفون عقلًا وفطنة.
نحن شعوبٌ تعلّمت بالطريقة الأقسى والأصدق: بالنار، والدم، والخديعة.
ذاكرتنا ليست ذاكرة سمك، بل ذاكرة منقوشة على جدران القبور، وفي صدور من ظلوا يدفنون أبناءهم، ويحملون أسماء الشهداء على أكفهم كوصايا أبدية.
ما كتبته يا أمين، وما نقله حامل إبريقكم الأستاذ بابكر محمد الحسن، ليس “دعوة لاسترجاع الحواضن” كما تزعمان،
بل هو محاولة لترويض العقول، والالتفاف على ذاكرة أمة قررت ألا تُخدع مرة أخرى.
إنه نداء لا أخلاقي، مغموس بالكذب، محمّل بالزيف، والتضليل، والتذاكي السياسي الرخيص.
نداء لا يهدف إلى مصالحة، بل إلى إعادة رسم خطوط السيطرة بذكاءٍ غبي، لا عبر الحرب، بل عبر “خطاب توبة سياسية” كاذبة، من كاتبٍ وناقلٍ محترفي تزييف.
ألست أنت يا أمين من كنت مرجعًا ومؤسسًا لما سميتموه “فقه الضرورة”؟
ذاك الفقه الذي كان يُبرّر القتل، والتعذيب، والتمكين، والخيانة، والقمع باسم “المصلحة العليا” و”حماية المشروع”.
فكيف تظن أن بإمكانك اليوم إقناعنا بأنك تحولت فجأة إلى رمز للحق والاعتراف؟
من الذي يحاول الكذب على التاريخ؟
من الذي يتقمص دور الحكيم بعد أن لعب دور الجلاد؟
من الذي يستجدي “الاسترجاع” بعد أن أحرق الجسور، وباع البشر، وشقّ الأرض بالتحريض والكراهية؟
نحن لم ننسَ… ولن ننسى.
نحن نرسم الحاضر بوعي، ونعرف التاريخ عمومًا، وتاريخكم الأسود خصوصًا… حرفًا بحرف، وجريمةً بجريمة.
نعرف ما ارتكبتموه في الجنوب، وما حرقتموه في دارفور، وما خنقتموه في الخرطوم، وما زرعتموه من كراهية في كل ركنٍ من السودان.
أنتم لا تعودون لتعتذروا… بل لتُعيدوا إنتاج ذات الكارثة بثوبٍ جديد.
لكننا نعرف اللعبة، ونعرفكم، وسنُفشلها كما أفشلنا سابقتها.


