مقالات واراء

ميثاق السودان التأسيسي: بين طموح السودان الجديد وشراك الواقع المعقد

عبدالله حسن عبدالمجيد

في ظل المشهد السوداني المتأزم، حيث تتشابك الأزمات السياسية والاقتصادية والإنسانية في ظل حرب 15 أبريل المستعرة، يبرز “ميثاق السودان التأسيسي” كإعلان سياسي يحمل رؤية شاملة لمستقبل البلاد. فهو ليس مجرد بيان نظري، بل محاولة جادة لإعادة صياغة أسس الدولة السودانية على قاعدة الديمقراطية والعدالة والمواطنة. وبينما يحمل الميثاق نقاط قوة واضحة تجعله وثيقة مؤثرة، فإنه يواجه تحديات كبيرة قد تعيق طريقه نحو التنفيذ.

يكتسب الميثاق أهميته من كونه يأتي في لحظة تاريخية حرجة، حيث تتلاشى ثقة الشعب السوداني في المؤسسات القائمة ويتعمّق الانقسام بين مختلف القوى الفاعلة. وهو، في جوهره، محاولة لإرساء عقد اجتماعي جديد يقطع الطريق أمام نخبة دولة 56 وأنظمتها العسكرية والاستبدادية التي حكمت السودان منذ الاستقلال، ويؤسس لدولة قائمة على الحقوق المتساوية وحكم القانون. كما يمثل الإعلان إطارًا جامعًا يضم قوى سياسية وعسكرية ومدنية متنوعة في مسعى لإيجاد جبهة موحدة قادرة على إحداث التغيير المنشود. وإلى جانب كونه بديلًا عمليًا، فهو يطرح معالجة جذرية للأزمات التاريخية التي قادت السودان إلى دوامة النزاعات المستمرة.

يمتاز “ميثاق السودان التأسيسي” بصياغة حازمة تتبنى خطابًا واضحًا لا يخلو من الجرأة، إذ لا يكتفي بتشخيص المشكلات، بل يقدم حلولًا ملموسة، أبرزها فصل الدين عن الدولة، وهو موقف حاسم يهدف إلى إنهاء استغلال الدين في السياسة وترسيخ حياد الدولة تجاه الأديان. كما يؤكد على وحدة السودان الطوعية، مع الإقرار بحق الشعوب في تقرير مصيرها في حال انتُهكت المبادئ الديمقراطية. ومن بين الحلول الجوهرية التي يطرحها الميثاق تأسيس جيش وطني من خلال دمج القوات العسكرية في جيش واحد، وهو ما يمثل أحد الحلول الجذرية لمعضلة استغلال الجيش في الهيمنة على السلطة وقتل الشعوب السودانية.

لا يغفل الميثاق عن الأبعاد الإنسانية للأزمة السودانية، إذ يشير بوضوح إلى معاناة المواطنين نتيجة الحروب والنزوح والفقر، كما يحمّل مجموعة بورتسودان مسؤولية تفاقم الأوضاع. ومن هنا، يضع خارطة طريق تتضمن وقف الحرب فورًا وتأمين وصول المساعدات الإنسانية. أما اقتصاديًا، فيطرح سياسات إصلاحية تهدف إلى مكافحة الفساد واسترداد الأموال المنهوبة، وتصفية الاقتصاد الطفيلي وإرساء قواعد سوق عادلة، وإعادة بناء القطاعات الإنتاجية، لا سيما الزراعة والصناعة.

يتجاوز الميثاق الشأن الداخلي ليضع السودان في سياقه الإقليمي والدولي، وهو ما يمنحه بعدًا استراتيجيًا قد يساعد في كسب التأييد الخارجي. فهو يعترف بتأثير السودان في قضايا الأمن الإقليمي، لا سيما صراع النفوذ في البحر الأحمر حيث تتنافس قوى دولية وإقليمية على السيطرة، ومكافحة الإرهاب والتطرف في ظل تزايد التهديدات الأمنية في المنطقة، فضلًا عن قضايا الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر، وهي ملفات ذات أولوية دولية.

رغم الطرح الطموح، يواجه الميثاق عدة تحديات تعيق تحوله إلى واقع ملموس. فبينما يضم الإعلان طيفًا واسعًا من القوى العسكرية والسياسية والمدنية، يحمل بعضها رؤى متباينة، ما قد يتحول إلى عقبة إذا لم تُحسم الخلافات حول التفاصيل التنفيذية. كما أن مجموعة بورتسودان ومليشياتها العسكرية والإسلامية المستفيدة من بقاء الدولة القديمة لن تخضع بسهولة، وقد تلجأ إلى أي أساليب لإجهاض أي محاولة لإعادة هيكلة الدولة. وعلى المستوى الإقليمي والدولي، هناك قوى قد لا تتقبل بعض بنود الميثاق، خصوصًا إذا مست مصالحها الاقتصادية أو نفوذها العسكري. يظل التحدي الأكبر هو القدرة على تنفيذ هذه الرؤية على أرض الواقع، في ظل غياب سلطة تنفيذية قادرة على فرض الإصلاحات.

إلى جانب هذه التحديات، يبرز تحديان جوهريان قد يحددان مصير هذا التحالف السياسي: الاعتراف الدولي والإقليمي به، وقدرته على لم شمل السودانيين وتحجيم الأصوات الانفصالية. فالاعتراف الخارجي ضروري لمنح التحالف شرعية تتيح له العمل على الساحة الدولية وكسب الدعم اللازم لإعادة بناء الدولة. أما داخليًا، فإن توحيد الصف الوطني وضمان احتواء جميع المكونات الاجتماعية والسياسية يعدان عاملين حاسمين في نجاح الميثاق، خاصة في ظل التوترات العرقية والجغرافية التي تهدد وحدة السودان.

وثيقة “ميثاق السودان التأسيسي” تمثل أهم وثيقة تصدر منذ إنشاء دولة 56، حيث تحوي مبادئ كفيلة بإنشاء دولة سودانية تسع جميع شعوبها. وبينما يواجه تحديات كبيرة، فإنه يشكل نقطة انطلاق ضرورية لنقاش وطني حول مستقبل السودان. نجاحه يعتمد على قدرة الموقعين على ترجمته إلى مشروع سياسي فاعل، والتعامل بذكاء وواقعية مع العقبات الداخلية والخارجية. فهل يكون هذا الإعلان بداية عهد جديد، أم يواجه مصير قد يعصف به أمام تعقيدات المشهد السوداني؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى