
الذاكرة السودانية حبلى بالمآسي المصرية على امتداد التاريخ ، ويكفى أن مصر اقترنت فى تاريخنا المعاصر بالإشتراك مع المستعمر التركى 1821م والإنجليزى 1899م فى غزو السودان.
وللأسف فإن الشريك الإنجليزى الأخير قد خرج فيما عرف بالجلاء وترك خلفه بلد لم يبلغ طور الدولة الحديثة بعد ،من حيث معايير اكتمال البناء المادى والبشرى ، فما زالت البنيات التحتية من طرق وخدمات المياه والطاقة لم تشمل كامل القطر ومجتمع قبلي ومتأثر بقانون المناطق المقفولة الذى فرضه الإستعمار على بعض أجزاء القطر !
وبحكم اشتراك مصر الرسمية فى ادارة السودان فى فترتى الإستعمار التركى (1821_ 1885) والإنجليزى (1899 _ 1956) ولأن مصر نفسها مازالت امتداد لمصر الخديوية التى أسسها محمد على باشا جد الملك فاروق الذى يطلق عليه المصريين ملك مصر والسودان ، كما أسس جيش البازنقر فى السودان والذى هربت اغلب وحداته وكتائبه العسكرية الى مصر بعد هزيمة الأستعمار التركى فى 1885م بواسطة الثوار المهديين ،
ثم أتوا مع حملة كتشنر مرة أخرى ومعهم العديد من العملاء والقوادين السودانيين.
وهم نفسهم من نكلوا بالشرفاء واجهزوا على الجرحى وقاموا بتصفية الأسرى بعد معركة كررى فى 2 سبتمبر 1898م
والمؤسف أن من نفس هذا الجيش البازنقرى المصرى كان جيش السودان الحالى دون إجراء اى تعديل أو إعادة
تغيير عقيدته العسكرية والقتالية ، ولذلك لا نستغرب من استمراره فى إبادة الشعوب السودانية منذ 1955م فهو يمارس دوره الطبيعى الذى أسس من أجله وهو قهر الشعب السودانى وإذلاله وترويضه لصالح المستعمر !
إذن وبعد الجلاء فى 1956م أو ما عرف باستقلال السودان ورثت مصر سودانآ كاملآ بحكم خبرتهم به التى اكتسبوها من اشتراكهم مع الإستعمار فى إدارة السودان ، ولاسيما وأن جيش البازنقر فى السودان مازال يدين بالولاء لمصر بل يعتبر كتيبة مصرية بإمتياز ، ولذلك تعتبر مصر الرسمية أن الجيش السودانى جزء من أمنها القومى !
وبه صادرت كل خيارات السودانيين الوطنية التى تهدف الى إعادة تأسيس وطنهم وكيفية إدارته بما يتوافق مع مبدأ
الإستقلال ، فإنقلبت على حكوماتهم الديمقراطية المنتخبة فى 1958م 1969م و 1989م ، وليس مهمآ من يقف خلف الإنقلاب طالما أن من قام به هو ضابط من البازنقر ففى نهاية الأمر أن كل جيش البازنقر هو كتيبة مصرية واغلب الأحزاب السودانية غطاء سياسي لهذا الحزب المسلح المسمى بالجيش !
ويبقى الأدهى والأمر من ذلك كله هو استماتة مصر فى إبقاء السودان فى حالة اللادولة ولاشي يبقيه كذلك غير استمرار
الحرب الأهلية وديمومتها الى ما لا نهاية!
لأن مصر ورثت فرق تسد من المستعمر الإنجليزى فأورثتها لوكلائها فى السودان ولا غرو جنرالات جيش البازنقر الذين كرست حكم السودان بأيديهم ، وقد تفنن جيش البازنقر فى اختلاق الفتن الأهلية وتغذية الصراعات وإدارتها لصالح العصابة المرذولة من نخبة 56 وجنرالات جيش الخصيان وكل ذلك من اجل استدامة الهيمنة المصرية على السودان وسرقة موارده !
وما أن شعرت مصر بتململ( أحرار السودان ) حتى سارعت بالتدخل العسكرى المباشر بواسطة سلاح الجو المصرى لقتلهم كما حدث فى مجزرة الجزيرة أبا 1970م ، و قتل اللاجئين السودانيين فى ميدان مصطفى محمود 2005م
وفى حرب ال 15 من ابريل 2023م التى اشعلتها مصر بواسطة خادمها المطيع البرهان ، كان حضور الدور المصرى وعبر سلاح الطيران حاضرآ منذ أول يوم فى مروى التى كان يرابض فيها الطيران الحربى المصرى انتظارآ لساعة الصفر ، قبل يجهز عليه فرسان الد.عم السر.يع ويأسروا عشرات الضباط والطياريين المصريين !
ثم اصبحت كل المطارات المصرية الحدودية قواعد لسلاح الطيران المصرى والسودانى وذلك قبل تجهيز قاعدة العوينات الأخيرة ، فدمر سلاح الجو المصرى كل البنية التحتية السودانية من كبارى ومحطات مياه وكهرباء ومصانع وابراج اتصالات ..الخ ..وهو دور يتسق مع الخطة المصرية الرامية الى الإحتفاظ بالسودان كحديقة خلفية ومورد للمواد الخام ، هذا وبالإضافة الى ارتكاب سلاح الجو المصرى لمئات المجازر ضد السودانيين فى الأسواق والمشافى والمناسبات الإجتماعية وفى المساجد فى الخرطوم والجزيرة وكردفان ودارفور
ولا غرو بعد أن تحولت قاعدة العوينات المصرية الى قاعدة للمسيرات التركية التى تحصد انفاس الناس فى كردفان ودارفور وتقصف قوافل الإغاثات الإنسانية وبذلك تكتمل اركان الإبادة الجماعية بالتمام حيث القتل والتهجير القسرى والتجويع.
ولذلك لم نتفاجأ بالأمس بإغارة سلاح الجو المصرى على المنقبيين السودانيين فى داخل الأراضي السودانية فى شرق السودان وقتل المئات منهم وهى المرة الثانية حيث قصفت مصر قبل 4 اشهر من الآن نفس المنقبيين السودانيين وبواسطة سلاح الجو المصرى نفسه وقتلت المئآت كذلك ، دون أن تنبس حيكومة الأمر الواقع فى بورتسودان ببنت شفة تجاه أسيادها فى مصر !
ولن تستطيع عصابة البرهان أن ترتقى الى مستوى الإدانة مجرد إدانة لن تستطيع! فكل الدلائل ومآل الحال يشير الى تنازل عصابة البرهان عن سيادة السودان أرضآ وبشرآ لصالح نظام السيسى مقابل البقاء الإسمى لعصابة البرهان والإخوان المسلمين فى حكم ما تبقى من وطن ،
نعم فالحقيقة أن مصر وضعت يدها وبالقوة على كامل شمال وشرق السودان وباتت المناجم والمعادن تحت السيادة المصرية ، واتضح أن ما تعنيه مصر بالأمن القومى المصرى وما تدعيه بالحافظة على مؤسسات الدولة السودانية ما هو إلا دفاعآ عن الهيمنة المصرية والحفاظ على ميراث مصر فى السودان المتمثل فى جيش البازنقر وعصابة 56 ، وهو دفاع بسبب الخوف من تحقيق الثورة السودانية لأهدافها الوطنية التى تتناقض مع المصالح المصرية فى السودان ، فما أن تحققت شعارات الحرية والعدل والسلام ، تحقق استقلال السودان وتخلصه من الماضي الأليم الذى كبله فيه عملاء مصر !
كنديرة 12 اكتوبر 2026 م



