
يُعزي الكثير من المحلليين السياسيين، الخلافات داخل حزب الامة القومي، الي صراعات بين قياداته، وبجهل تام “يتعامي” البعض صراعاً ظل موجها لطبيعة الخلاف داخل الحزب بحمولاته الإجتماعية والسياسية والإقتصادية.
وللصراعات في حزب الأمة أبعاد سياسية ودينية وأسرية، برزت أول مرة في ستينات القرن الماضي، بين الصادق المهدي الطامح آنذاك في رئاسة الحزب، وعمه راعي الحزب الهادي المهدي. وأدى ذلك الصراع لانقسام الحزب إلى جناحين، أحدهما بقيادة الصادق، والآخر بقيادة الإمام الهادي.
لكن الحزب توحد لاحقاً تحت قيادة الصادق، بعد مقتل الإمام الهادي على أيدي السلطة العسكرية التي استولت على الحكم في انقلاب عسكري عام 1969. فجمع الصادق بين رئاسة الحزب وإمامة طائفة «الأنصار» التي تشكل الغالبية العظمى لأتباع الحزب، بعد أن كان المنصبان منفصلين، وهو ما عُرف بالجمع بين «القداسة والسياسة».
والإمام الصادق، هو الزعيم السياسي والديني المؤثر علي المحيطين الإسلامي والعربي، بجانب إنه المفكر والواجهة المشرّفة للحزب، بطبيعة اطروحاته الفكرية على مستوى الفكر الديني الإسلامي، وأيضاً في الأزمات السياسية المطروحة على المستوي القومي والإقليمي.
وتعد خلافة الصادق المهدي في زعامة حزب الأمة وإمامة طائفة الأنصار مسألة بالغة التعقيد، نظراً إلى وزنه السياسي والديني داخلياً وخارجياً، فضلاً عن طبيعة قدراته المتعددة الاتجاهات، فهو سياسي بارز، يمتلك خبرات وقدرات حافظت على الحزب من الانقسامات مرات عديدة.
وربما يكون من المتفق عليه أنه من الصعوبة بمكان أن يخلف الصادق المهدي من يجمع بين رئاسة الحزب وإمامة طائفة الأنصار، شخص يتسم بصفاته، من بين أبنائه، فضلاً علي إن القداسة انتهت بموت الصادق المهدي، ولا يوجد الآن شخص يحمل رمزية دينية لتقدسه جماهير طائفة الأنصار.
وبدأ الصراع الخفي، داخل بيت الإمام الصادق يتصدّع بين ابناء “حفية” و”سارة”، ويظهر للعلن بعد موت الإمام، وتمظهر ذلك في العديد من المواقف وتوسع الخلاف الأُسري ليشمل”النسابة” ، ازواج “بنات” الإمام من الطرفين ليقف كل “نسيب” في الإتجاه المُضاد للطرف الآخر.
وفي حياة الإمام الصادق كان هناك رأي سلبي من انخراط نجله عبد الرحمن في حكومة (الرئيس السابق) البشير، ولكن بغياب الصادق انقسم الأشقاء إلى مجموعتين، لكل مجموعة موقفها من عبد الرحمن، وانعكس ذلك على الحزب فتعقدت أموره، لتصل إلى ما وصلت إليه اليوم.
وفي الأونة الأخيرة تحرك عبدالرحمن الإبن الأكبر في الصراع ، محمولاً بطموحات شخصية في “ورثة” زعامة الحزب وطائفة الأنصار، مدعوماً في هذا الإتجاه من “الجيش” والإسلاميين وتسنده قيادات من هيئة شؤون الأنصار، بجانب قيادات ذات طموحات شخصية مثل محمد عبد الله الدومة والفريق صديق إسماعيل وآخرين.
وشخصية “ابدالرحمان” عند قطاعات عريضة من الأنصار تُمثل “الخِلفة” الفارقت القندول، ويجهل “ابد رحمان” في تحركاته إن جماهير الأنصار كردفان ودارفور في غرب السودان يمثلون 60 في المائة تقريباً من جماهير الحزب، وهم يؤيدون ميثاق التأسيس، وينظرون إلى اللواء برمة ناصر بوصفه بطلاً قومياً وملهماً عبّر عن تطلعاتهم وآمالهم.
ولم تاتي تلك القناعات من فراغ، بل نتيجة ممارسات كانت ممنهجة من قبل الجيش وكتائب الإسلاميين الذين استهدفوا “الأنصار” في تلك المناطق علي اسس التنميط الإجتماعي والثقافي، فذبحوهم كما تذبح “الشاه” وسلخوا جلد بعضهم علي الأشجار.
هذه الممارسات، والتي لم تكون معزولة عن سياقات خطاب الحرب “العنصري” ولّدت إتهام مباشر لعبدالرحمن بالمشاركة في هذه الجرائم، ومشاركته القتلي في الجرم وفقاً لما تراضي عليه الضمير الإنساني في التوصيف القانوني في”الإشتراك الجنائي” لجرائم الإنتهاكات الإنسانية.
وبالتالي فإن “ابدرحمان” وفقا لذلك “مجرماً” بالمشاركة في تلك الجرائم وهو مالا يؤهله ذلك في التصدي لقضايا جماهير الأنصار ، فـ”القداسة” قد انتهت بموت الامام الصادق المهدي ولم يُعد هناك متسعاً من إستغلال جماهير الأنصار ك”رأس مال” بشري يتم توظيفه لخدمة الترميز والقداسة.


