
أضحت مواقع “التواصل الإجتماعي”، ميداناً مفتوحاً لمعارك كرّ وفر ضارية، يدور رحاها داخل العقول وحولها، بما يفوق معارك ھذه الحرب علي الأرض.
معارك اسفيرية تهدف، لرسم وتكريس صور ذهنية ونمطية تلقي بظلالها وتأثيراتها، علي واقع الحرب ومواقف الناس منھا.
إذ أن أساليب الحرب النفسية التي تنتهجها أطراف الحرب من أجل التأثير على الناس، من خلال البروبغاندا، والأكاذيب، والتزييف، والتلفيق، وإخفاء الحقائق، والاستخدام الملتوي للغة والمصطلحات، والإخضاع والتغييب والتطويع بشتى الطرق، يذھب لنظرية تقول: “أن احتلال الأرض يبدأ من احتلال العقل، واحتلال العقل يبدأ باحتلال اللغة”.
وقد ساعد في ھذا بدرجة كبيرة، التقدم الھائل في مجالات الاتصال الرقمي، وتقنية المعلومات بل وربما الذكاء الاصطناعي، فعوضا عن أن تكون وسائل التواصل الاجتماعي، وثورة الاتصالات الرقمية والإنترنت، وسيلة لتطور العقل البشري أضحت ھي الوسيلة المثلى لغسل الأدمغة بما يخدم الأهداف السياسية والحربية للأطراف المتقاتلة.
بل قد صار من السهل على إعلام الحرب خلق أغلبيات وهمية عبر الترويج لسرديات مُختلقة ومُضللة تقوم علي تضخيم وقائع الأحداث وتهويل نتائجھا.
ولم ينشأ ذلك بالطبع من فراغ، فقد رفع خبراء الحروب الحديثة الـ«سوشال ميديا» الي مرتبة السلاح الإستراتيجي للقرن (21)، واعتبروا أن تأثيرها ربما يفوق حتي تأثير أسلحة الردع النووي في القرن العشرين، فبعد دخول ھذه المواقع بالفعل كسلاح مجرّب في الحروب بين الدول أو في داخلها.
أطلق الخبراء علي نوع ھذه الحرب، التي لمواقع التواصل الاجتماعي القدح المعلي فيھا، إسم “الحرب الهجين”، ويؤكد الخبراء أن ھناك حاليا أكثر من صيغة لحرب هجين تجري بين مختلف الأحلاف العسكرية المتصارعة في عالم اليوم.
كما برزت الكيفية التي يمكن من خلالھا جعل شبكات التواصل الإجتماعي اداة حربية بامتياز في سياق التحقيق القضائي البريطاني بشأن شركة “كامبريدج آناليتكا”.
إذ تبين أن دراسة أجراها خبراء في علم النفس من جامعة كامبريدج سابقا، شملت 58 الف شخص من مستخدمي موقع التواصل الإجتماعي الشهير “فيس بوك”، ساهمت في تحديد ميولهم السياسية عبر تحليل بياناتهم المتاحه علي الموقع.
إذ أن هذا النمط من الحرب الهجين لا يبتعد كثيرا عن ما يعرف بحروب الجيل الرابع وحروب الجيل الخامس، التي تتداخل فيها الخطوط بين الحروب العسكرية والسياسية، التي تقوم بالأساس علي ما يعرف بإستراتيجية “الإنهاك البطيء”.
وھو نمط تلعب فيه الحرب النفسية دورا بارزا، من خلال استخدام مواقع التواصل الإجتماعي. وللتعرف علي مدي تأثير ھذه المواقع تقول الأرقام ان اعداد مستخدمي موقع التواصل الفوري “واتس آب” علي سبيل المثال: يفوق الآن ملياراً و500 مليون شخص حول العالم، يتبادلون ما يربو علي 65 مليار رسالة يومياً، وأكثر من 4 مليارات و500 مليون صورة، ومليار فيديو، وھي أرقام تؤكد أهمية “واتس آب” وقدرته علي التأثير في الرأي العام وتوجهاته، في ظل تداول الناس ھنا لآلاف مقاطع الفيديو والمقاطع الصوتية والصور علي ذات التطبيق، التي يلتقطھا ويبثھا بشكل شبه يومي اثناء الحرب، الجنود المنخرطين في القتال، من قلب ميادين المعارك نفسھا.



