
هنا، ضيفا علي نفسي أحل، أتجاذب معها بيني وبيني، أطراف الحديث، لا أحول بين عقلي وتشاؤمه، وبين إرادتي وتفاؤلها.
إذ لا أدري الي اللحظة، هل لا زال في كأس السودان باق؟.
أم علينا أن نستريح، كما قال أمل دنقل لصديقته:
“استريحي
ليس للدور بقيّة
انتهت كلّ فصول المسرحيّة.
ففي السودان هذه الأرض ذات الصدع المتنامي كل يوم بإضطراد مدهش.
قبل بضعة أعوام تسأل بباريس عن ما يشبه حالها الراهن، أمين عام الأمم المتحدة قائلا: “العالم يتصدع، الوضع الراهن غير مستدام.
من هي الدولة التي يمكنها رأب خطوط الصدع هذه لوحدها اليوم، بمعزل عن بقية العالم؟”.
ويمضي غوتيرش الي أن يقول: “أن الخوف من الآخر الغريب يستخدم لأغراض سياسية، وأن التعصب والكراهية أصبحا شائعين، يتم بهما تصنيف الأشخاص الذين فقدوا كل شيء علي أنهم سبب كل الشرور”.
محذرا من أن هذا الأسلوب يزيد من الاستقطاب في الحياة السياسية، ومن خطر انقسام المجتمعات.
فعندما تتصدع الأرض التي كانت تقف عليها هذه المجتمعات، تذهب كذلك أقدام بعضها ربما بغير أرادة منها الي حيثما ذهب الجزء من المكان الذي كانت تقف عليه قبل التصدع.
وللحقيقة فأن حالة الفرز الناجمة عن مثل هذه التصدعات من شأنها أن تصبح اليوم من أكثر المؤثرات حسما في تموضع القيادات، وفي نسج التحالفات، وفي رسم مستقبل السودان المنهك بالحرب.
فعلي وقع المدافع وتحت رماد الخراب، بدأت تتكشف ملامح اصطفافات لا تشبه صراعات الامس بين مدني وعسكري، أو بين إسلامي وعلماني، اصطفافات تقوم علي أساس الانتماء للوسط والشمال النيلي، أو لما يعرف بالهامش الكردفاني والدارفوري في الغرب.
فالإنقسام في تحالف “تقدم” بدا وكأنه قد تشكل من مجموعتين إحداهما محسوبة بغالبها علي الوسط والشمال النيلي، والأخري تبدو الغلبة فيها لعناصر من إقليمي دارفور وكردفان، مع وجود بعض الاستثناءات القليلة بالطبع.
بل حتي في حزب الأمة القومي تكررت ذات الثنائية، وتمايزت المواقف حين أقترب تحالف تأسيس من إعلان حكومته بمدينة نيالا، أيدها تيار من الحزب أقرب لهذه الجغرافيا، ونأي عنها تيار آخر أبعد قليلا في المسافة عن تلك الأرض.
أنه واقع يعيدنا الي سؤال جوهري هو: هل بات السودان يتشكل الآن علي وشائج الأصل الأثني وروابط الانتماء الجغرافي؟.
وهل يمكن لسودان يقوم علي مثل هذا الفرز الحاد أن ينعم بسلام بعد الحرب، أم أنه واقع يؤسس لا محالة لانقسام أكثر عمقا من مجرد انقسام علي خطوط النار التي لا زالت مختلطة الي حد ما علي ميادين القتال؟.
علي أية حال، فالليالي حبلي يلدن دائما كل عجيب، إذ لا زال الفرز علي وقع هذه التصدعات مستمرا الي يومنا هذا.



