
أظهر دونالد ترامب خلال فترة حكمه الأولى تجاهلاً كبيراً تجاه قضايا القارة الإفريقية؛ حيث لم يقم بأي زيارة لها ولم يُبدِ أدنى اهتمام بمشاكلها عدا بعض التصريحات حول قضية التغير المناخي. وحتى في برنامجه الانتخابي الحالي، لم يطرح أي خطط واضحة تجاه القارة، رغم إعلانه عن مبادرة “ازدهار إفريقيا”، التي تهدف إلى دعم الطبقات المتوسطة والمتنامية في جميع الدول الإفريقية. لكن، وفقاً لآراء بعض الخبراء في الشأن الإفريقي، من المتوقع أن تركز سياسات ترامب على المصالح الوطنية الأمريكية بحتة، تنفيذًا لشعاره “أمريكا أولاً”، مما يعني احتمال تهميش قضايا إفريقيا مرة أخرى. وفي هذا السياق، هناك مخاوف حقيقية من تقليص المساعدات الأمريكية للقارة، مما يجعل القادة الأفارقة في حالة ترقب حذر لما قد تجلبه عودة ترامب.
أما فيما يتعلق بالشأن السوداني، فقد تباينت الآراء، خصوصاً مع حالة الاضطراب والفوضى التي تعيشها البلاد. من وجهة نظري، تُعتبر الولايات المتحدة دولة مؤسسات تميل دائماً لتحقيق مصالحها، بغض النظر عن النظام السياسي السائد في البلدان الأخرى. لقد مر السودان بمراحل معقدة في علاقته مع الولايات المتحدة، خصوصاً خلال حكم الإسلاميين الذي حول البلاد إلى ملاذ للجهاديين واستقطب أبرز قادة الإرهاب حول العالم، ما دفع الولايات المتحدة والمنظمات الدولية لفرض عقوبات اقتصادية وحظر استمر عقوداً. ومع اندلاع الثورة السودانية في عام 2019، التي أطاحت بالشق المدني من نظام الإخوان المسلمين، حاولت حكومة الثورة بقيادة الدكتور عبد الله حمدوك إعادة بناء العلاقات الأمريكية-السودانية. وبعد جهود دبلوماسية وسياسية طويلة، توجت هذه الجهود في فترة حكم ترامب الأولى بإصدار قرار تنفيذي رقم 13804، الذي أدى في نهاية المطاف إلى إزالة السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب في أكتوبر 2020.
ولا يجب أن نغفل أيضًا الدور الذي لعبه ترامب أواخر فترة حكمه الأولى في الوساطة لدفع دول عربية إلى تطبيع علاقاتها مع إسرائيل، بما فيها السودان من خلال اتفاقية “أبراهام”، حيث كانت هناك لقاءات بين قيادات عسكرية سودانية وإسرائيلية، مثل لقاء البرهان ونتنياهو في أوغندا، واتصالات مع جهات أمنية إسرائيلية. ورغم تحفظ حكومة حمدوك آنذاك على الخوض في مسألة التطبيع، حيث لم تكن أولوية ضمن أجندتها، فإن هذه الخطوات وُضعت كجزء من سياسة ترامب الإقليمية. ويجدر التذكير بأنه قد صرح الشهر الماضي في مقابلة مشهورة بأنه ينوي توسيع اتفاقية “أبراهام” لتشمل 12 دولة عربية أخرى، إذا ما عاد إلى الرئاسة. ومع فوزه، يبرز السؤال الجوهري: هل سيستجيب البرهان للدعوة الأمريكية المحتملة لاستكمال عملية التطبيع، أم سيكون للإسلاميين، قادة الحرب الحاليون في السودان وحلفاء إيران، رأي آخر؟
وفي كل الأحوال، يُتوقع أن تكون لعودة ترامب نتائج إيجابية محتملة في مسألة وقف الحرب في السودان؛ فقد يدعم ترامب خيار التدخل الدولي، وربما فرض حظر جوي أو فرض عقوبات أقوى وأكثر صرامة في حال تعنت الأطراف المتنازعة. يُعرف ترامب بجرأته وحزمه في اتخاذ القرارات، وهي صفات قد تميزه عن بايدن الذي بدا متساهلاً ومتردداً حيال أزمة الحرب السودانية.



