تقارير وحوارات

الشهادة الثانوية..هل تتحول من معيار للنزاهة إلى أداة للإبتزاز السياسي؟

إدراك _ المحرر

على مدار عقود، كانت الشهادة الثانوية السودانية نموذجاً يحتذى به في النزاهة والمهنية والانضباط، مما أكسبها سمعة مرموقة على مستوى المنطقة والإقليم، الآلاف من أبناء الجاليات السودانية يجلس أبنائهم لامتحان الشهادة السودانية عبر السفارات، أو ارسالهم للسودان من أجل الجلوس للامتحان، بالرغم من توافر ظروف تعليمية جيدة في تلك البلدان، وزارة التربية والتعليم طالها الخراب والدمار، مثل كل المؤسسات الحكومية مع اندلاع الحرب في 15 أبريل، تعرضت هذه المنظومة لاختبار قاسٍ كشف عن محاولات لتسييسها واستغلالها كورقة ضغط من قبل حكومة الأمر الواقع في بورتسودان، التي فشلت في الحفاظ على قوميتها ومهنيتها، بل اتخذتها أداة ابتزاز في حربها المستمرة، ترى هل تضيع هيبة الشهادة السودانية بسبب الجهوية وتصفية الحسابات السياسية؟

انحـياز جـهوي

قبل أشهر بدأ الحديث حول اعتزام الوزارة الترتيب لعقد امتحان الشهادة السودانية لدفعتي ٢٠٢٤ و٢٠٢٥، وقتها رفض عدد من المعلمين المقترح، بسبب عدم استقرار الأوضاع الأمنية، لكن مضى القرار، وسعت حكومة بورتسودان إلى إجبار طلاب الولايات الخاضعة لسيطرة الدعم السريع، مثل كردفان، دارفور، الجزيرة، الخرطوم وأجزاء كبيرة من النيل الأبيض وسنار والنيل الأزرق، على السفر إلى ولايات البحر الأحمر والشمالية لأداء الامتحانات. حيث يرى مراقبون أن هذه الخطوة لم تكن سوى محاولة لتفريغ هذه المناطق من طلابها، وتحويل مسار الشهادة الثانوية إلى أداة تعكس انحيازات جهوية وقبلية، متجاهلةً حق الطلاب في أداء امتحاناتهم في بيئة آمنة ومحايدة.

أثار إعتقال الطلاب في وقت سابق في ولاية نهر النيل مخاوف لدى أولياء أمور الطلاب بسفر أبنائهم لولايات سيطرة الجيش 

إعتـقال طـلاب

هل يبدو الوضع آمناً في الولايات تحت سيطرة الجيش على الطلاب؟ قضية اعتقال طالب من ولاية غرب كردفان في ولاية نهر النيل، أثارت كثير من المخاوف لدى أولياء أمور، طالب لم يكن يحمل سوى حلم النجاح، وجد نفسه معتقلاً بتهمة الانتماء لقوات الدعم السريع لمجرد انتمائه لقبيلة دار حمر. ورغم التدخلات القبلية والسياسية، فإن هذه الواقعة أثبتت كيف تُستغل الانتماءات القبلية والجهوية كذريعة للاضطهاد والاعتقال.

في ظل هذه الظروف، أضحى رفض حكومات الولايات الواقعة تحت سيطرة الدعم السريع لسفر طلابها إلى ولايات أخرى لأداء الامتحانات موقفاً مبرراً. هذا الرفض ليس مجرد موقف سياسي، بل هو دفاع عن حق الطلاب في التعليم بعيداً عن الابتزاز السياسي والتصنيفات الجهوية. إن إصرار حكومة الأمر الواقع على هذا النهج يهدد فكرة قومية الامتحانات ويفرغها من مضمونها الأكاديمي.

اشـراف أمـمي

“التعليم رسالة ومهنة تجعلنا أشبه بالرسل، ولابد من مراعاة المهنية والأمانة”.. هكذا بدأ المعلم أحمد آدم مدير مدرسة النصرة حديثه، مضيفا: أقحام قضايا التعليم في العمليات السياسية والحربية، مؤشر لدمار المستقبل، وتفضيل أبناء مناطق على أخرى، واعتقد أن الحرب قامت ضد هذا التمييز، بالنظر للآلاف من الأبناء والبنات الموجودين في مناطق سيطرة الدعم السريع، محرومون من الجلوس للامتحان، وبالتالي تدمير مستقبلهم بسبب صراعات قبلية وجهوية، اقترح تدخل أممي للاشراف على الامتحانات للطلاب في ولاياتهم مع ضمان نزاهة المراقبة والتصحيح، وإن تطلب الأمر تأجيل الامتحان.

بيئة غير مستقرة 

الخبير التربوي “د. نورالدين عثمان” ذهب إلى أن التوقيت غير مناسب، لعدم توفر الظروف المناسبة، وسط قصف الطيران والمدافع والرصاص، هذه ليست بيئة لادارة عملية امتحان مصيري يتطلب مساحة من التشجيع والطمأنينة والسلام، ولن يسمح أولياء أمور بسفر أبنائهم لولايات أخرى تتهددها المسيرات أو الاعتقالات، أو التمييز الجهوي والقبلي.

يرى مراقبون أن مطالبات الحكومات المحلية وأولياء الأمور بضرورة إيجاد حلول عادلة ومنصفة لطلاب الشهادة الثانوية، تعكس إدراكاً عميقاً لخطورة تحويل التعليم إلى أداة سياسية.

 هل تستجيب حكومة الأمر الواقع للنداءت المتكررة أم تواصل تكريس التمييز

مـخـرج

 أنهيار يبدو في أفق هيبة إمتحان الشهادة السودانية، ربما يتسبب فيه حراس هيكل التربية والتعليم، الذي ظل صامداً في وجه التحديات السياسية لعقود خلت، السؤال الذي يطرح نفسه، هل تستجيب حكومة الأمر الواقع لهذه النداءات، أم ستظل متمسكة بسياساتها الحالية، التي تكرس للتمييز وتضعف الثقة في مؤسسات الدولة، الشهادة الثانوية السودانية، التي كانت يوماً رمزاً للنزاهة والوحدة الوطنية، باتت مهددة بأن تتحول إلى أداة لتكريس الانقسامات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى