عبدالمنعم همت : الحرب قلّصت الفجوة بين الإخوان والشيوعيين… تقارب مرحلي تحكمه البراغماتية!
إدراك _ المحرر

رأى البروفيسور والباحث السياسي عبد المنعم همت أن ما يلاحظ من تقارب أو تنسيق بين جماعة الإخوان والحزب الشيوعي في المشهد السياسي لا يعكس تحولًا أيديولوجيًا حقيقيًا، بل يأتي في إطار تقاطعات مؤقتة تفرضها تعقيدات الواقع.
وأوضح، في حوار مع “إدراك”، أن الخطاب الفكري المعلن لدى الطرفين لا يزال قائمًا على إختلافات عميقة تصل أحيانًا إلى حد التناقض، إلا أن هذه الفوارق تتراجع عمليًا عند الانتقال من مستوى الشعارات إلى الممارسة السياسية، حيث تبرز اعتبارات المصلحة وتوازنات القوة.
وأشار “همّت” إلى أن هذا النمط من العلاقات ليس جديدًا، بل يتكرر في بيئات تعاني من ضعف مؤسسي أو فراغ سياسي، ما يدفع القوى المختلفة إلى إعادة ترتيب أولوياتها وتشكيل تحالفات مرنة، حتى وإن بدت متعارضة مع مواقفها التقليدية.
وأضاف أن القاسم المشترك في مثل هذه الحالات هو “البراغماتية السياسية”، التي تدفع نحو تنسيق أو تحالفات مؤقتة بهدف تحقيق مكاسب مرحلية أو مواجهة تحديات مشتركة، دون أن يعني ذلك حدوث تقارب فكري حقيقي بين الأطراف.
مضابط الحوار:
صدر تصنيف من واشنطون وضع “الإخوان” ضمن قوائم الإرهاب. كيف تقرأ هذا التصنيف؟ وهل تتفق معه؟
يمكن النظر إلى ما صدر عن الولايات المتحدة ليس باعتباره مجرد قرار سياسي عابر أو موقف ظرفي تحكمه توازنات آنية، بل بوصفه تعبيراً عن مسار طويل من التراكمات والتجارب التي أسهمت في ترسيخ صورة هذه الجماعة كمصدر قلق واشتباك على المستوى الدولي.
فهذا التصنيف لا ينشأ في فراغ، وإنما يأتي في سياق تاريخي ممتد من الممارسات التي وضعت هذه التنظيمات تحت مجهر الشك، سواء من حيث خطابها أو سلوكها على الأرض.ومع ذلك، فإن الاتفاق مع جوهر هذا التصنيف لا ينبغي أن يكون نابعاً فقط من كونه صادراً عن واشنطن أو أي طرف خارجي، بل من قراءة نقدية للتجربة السودانية نفسها. فهذه التجربة، بما حملته من تحولات وصراعات، كشفت بوضوح طبيعة البنية التي تحكم هذه الحركات، وأظهرت كيف يمكن لمشروع أيديولوجي أن يوظف الدين كأداة للهيمنة السياسية والاجتماعية، وليس كمرجعية قيمية أو أخلاقية جامعة.
لقد بين الواقع السوداني أن هذا النمط من المشاريع لا يتردد في اللجوء إلى أدوات العنف أو الإقصاء كلما شعر بأن وجوده مهدد، وهو ما يعكس أزمة عميقة في بنيته الفكرية والتنظيمية. ومن هنا، يمكن القول إن التصنيف، مهما كانت دوافعه، جاء متأخراً عن حقيقة كانت قائمة وماثلة على الأرض منذ وقت طويل، وشهدت عليها الوقائع اليومية وتجارب الناس المباشرة.
هل يعني ذلك أنك ترى أن التصنيف الأمريكي كان موضوعياً بالكامل؟
لا أتعامل مع الولايات المتحدة بوصفها مرجعية أخلاقية يُحتكم إليها، فهي في جوهر سياساتها تتحرك وفق حسابات المصلحة قبل أي اعتبار آخر. فهي قد تُصنّف جهة ما كتهديد اليوم، ثم لا تتردد في التقاطع معها غداً إذا اقتضت الضرورة السياسية ذلك.
لكن في هذه الحالة تحديداً، ثمة تقاطع واضح بين الدافع السياسي والحقيقة الموضوعية؛ إذ إن هذه الحركات، في بنيتها الفكرية والتنظيمية، تنطوي على عناصر حقيقية تهدد الاستقرار، سواء على مستوى الدولة ومؤسساتها أو على مستوى المجتمع وتماسكه.
وبعبارة أدق، حتى لو كانت المنطلقات سياسية وبراغماتية، فإن النتيجة النهائية لامست جوهر المشكلة وأصابت حقيقتها.
هناك جدل واسع حول توصيف الحركة الإسلامية، هل هي فاعل سياسي أم كيان أيديولوجي يمكن أن يصنف ضمن التنظيمات الإرهابية؟
أنا لا أتعامل مع هذه المسألة بوصفها مجرد خلاف لغوي أو جدل حول المصطلحات، بل أراها مسألة ترتبط بطبيعة الفعل في جوهره وسياقه العملي. فعندما تتحول الفكرة إلى أداة للهيمنة، ويُستدعى الدين كغطاء لإقصاء الآخر ونفيه، وحين يُعاد تعريف العنف ليغدو وسيلة مشروعة في نظر التنظيم، فإننا لا نكون بصدد تيار سياسي تقليدي يمكن إدراجه ضمن التعدد الطبيعي، بل أمام بنية فكرية وتنظيمية تُنتج الإرهاب وتعيد إنتاجه.
إن الحركة الإسلامية في السودان، في هذا الإطار، ليست مجرد فاعل سياسي، بل مشروع أيديولوجي مغلق أعاد تشكيل الدولة ومؤسساتها على مقاسه الخاص، ووفّر الغطاء لتشريع القمع، وأسهم بصورة مباشرة وغير مباشرة في تمهيد الأرض لانفجارات العنف المتلاحقة. ومن هذا المنطلق، فإن توصيفها كتنظيم إرهابي لا يأتي بوصفه حكماً سياسياً عابراً، بل قراءة تحليلية في جوهرها البنيوي ووظيفتها التاريخية ومسارها العملي.
ما المآلات التي يمكن أن تترتب على هذا التصنيف سياسياً واجتماعياً؟
المسألة لا تتوقف عند حدود التصنيف في حد ذاته، بل تكمن أهميتها الحقيقية في الأفق الواسع الذي يفتحه أمام المراجعة النقدية الجادة. فعندما تُسمّى الأشياء بأسمائها، تنشأ إمكانية حقيقية للتفكيك والفهم العميق، بعيداً عن التمويه أو إعادة إنتاج الخطاب ذاته بأشكال مختلفة.
هذا التصنيف يضع حداً لوهم إعادة التدوير السياسي، ويُسهم في تحرير المجال العام من ابتزاز المقدّس، مما يفتح الطريق أمام نقاش أكثر وضوحاً ومسؤولية حول بناء دولة مدنية قائمة على أسس حديثة. وعلى المستوى الاجتماعي، يمكن النظر إليه كخطوة أولى نحو مصالحة حقيقية، تقوم على الاعتراف الصريح بطبيعة الخلل وجذوره، وليس مجرد تجاوزه شكلياً.
ومع ذلك، يظل الأمر الأهم أن التصنيف الدولي، مهما بلغت أهميته، لن يكون كافياً وحده لتفكيك الحركة الإسلامية. فالدور الحاسم يقع على عاتق الشعب السوداني نفسه، بوصفه الفاعل الأساسي في تفكيك كافة أشكال الأصوليات والتعصبات، وفي مقدمتها الحركة الإسلامية. إنني على ثقة بأن تكاتف السودانيين، ووعيهم المتنامي، سيقود في نهاية المطاف إلى تجاوز هذه المرحلة، ووضع الحركة الإسلامية في موقعها الطبيعي ضمن صفحات الماضي والتاريخ.
ننتقل إلى نقطة مثيرة للجدل.. كيف تفسر الحديث عن تقاطع بين الإخوان المسلمين والشيوعيين رغم التناقض الأيديولوجي؟
الصدمة في جوهرها لا تنبع من فهم عميق للسلوك، بل من الانشغال السطحي بالشعارات وما تحمله من ادعاءات. فعلى مستوى الخطاب يبدو أن هناك تباينًا واضحًا واختلافات حادة، لكن عند الانتقال إلى مستوى الممارسة الفعلية تتلاشى هذه الفوارق تدريجيًا، لتكشف عن واقع أكثر تشابهًا مما يُعلن.
نجد أنفسنا أمام نمط متكرر يكاد يعيد إنتاج ذاته: احتكار للحقيقة وكأنها ملك حصري، إقصاء ممنهج للآخر المختلف، واستعداد دائم لعقد التحالفات حين تفرضها ضرورات المصلحة، حتى وإن تناقضت مع الخطاب المعلن. هذا التناقض بين القول والفعل لا يعكس تحولًا فكريًا حقيقيًا، بقدر ما يكشف عن براغماتية سياسية تحكمها حسابات القوة والفرص.
لذلك، فإن ما يحدث لا يمكن توصيفه كتقارب أيديولوجي بالمعنى الدقيق، لأن البنية الفكرية المعلنة لا تزال متباعدة في ظاهرها. الأجدر أن يُنظر إليه بوصفه تقاطعًا مؤقتًا للمصالح، يظهر بوضوح في لحظات الفراغ السياسي أو ضعف المؤسسات، حيث تتقدم الحسابات العملية على الاعتبارات المبدئية، وتتشكل التحالفات وفق ما تمليه الحاجة لا القناعة.
هل هذا يعني وجود خواء أيديولوجي لدى الطرفين؟
نعم، فالصلابة التي تبدو على السطح كثيراً ما تخفي في جوهرها هشاشة عميقة في الداخل. حين تنفصل الأيديولوجيا عن الواقع المعيش وتفاصيله المعقدة، تتحول إلى قشرة صلبة توهم بالتماسك والثبات، بينما تخفي وراءها فراغاً حقيقياً وضعفاً بنيوياً. نرى شعارات كبيرة ومرتفعة السقف، مليئة بالوعود واللغة الحماسية، لكنها في المحصلة لا تنتج حلولاً عملية قابلة للتطبيق، بل سرعان ما تتخلى عن نقائها النظري عند أول اختبار جاد، لتدخل في تحالفات متناقضة مع ما كانت تعلنه وتدّعيه. هذا الخواء يتجلى أساساً في غياب الصدق مع الذات، وفي العجز عن مواجهة التناقضات الداخلية بشفافية ومسؤولية. وهنا أستدعي المفردة السودانية (همبول) لتوصيف حالة الحزبين، إذ تختصر بدقة وبلاغة هذا التناقض الحاد بين المظهر الصلب والمضمون الخاوي.
برأيك كيف يؤثر هذا التقاطع على الجماهير؟
يخلق ذلك حالة من التشويش العميق والارتباك في الوعي العام، ويُفقد المواطن تدريجياً ثقته في جدوى العمل السياسي ومصداقية فاعليه. ومع مرور الوقت، تبدو القوى المختلفة وكأنها متباينة في الشكل والخطاب، لكنها في الجوهر تتشابه إلى حد كبير، وتلتقي عند مفترقات المصالح الضيقة حين تقتضي الضرورة، مهما كانت تناقضاتها المعلنة. هذا السلوك يعمّق الإحساس بالخذلان، ويدفع قطاعات واسعة من المجتمع نحو الانسحاب الصامت واللامبالاة، باعتبار أن الفروق لم تعد ذات معنى حقيقي. وفي هذا السياق، يتحول الفاعل السياسي من أداة يفترض أن تسهم في التنوير وبناء الوعي العام، إلى عبء ثقيل على المجتمع، يكرّس الإحباط ويُضعف الأمل في التغيير.
العلاقات بين الإخوان وإيران لم تقتصر على مجرد تبادل الزيارات الدبلوماسية أو الدعم السياسي والعسكري، بل تمتد إلى أن لتشمل تعاونًا عسكريًا وأمنيًا متقنًا
كيف تنظر إلى تأثير الشأن الإيراني على السودان؟
نحن إزاء مشروع متكامل لا يقتصر على بعد واحد، بل يتشابك فيه المذهبي مع الأمني والجيوسياسي في إطار رؤية شاملة لإعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة. هذا المشروع لا يتحرك بشكل عشوائي أو ظرفي، وإنما يستند إلى استراتيجية طويلة المدى تستهدف البيئات الهشة التي تعاني من ضعف الدولة وتآكل مؤسساتها.
في هذا السياق، تتحرك إيران بوصفها فاعلًا إقليميًا يحمل رؤية توسعية واضحة المعالم، تسعى من خلالها إلى إعادة هندسة هذه البيئات من الداخل، مستفيدة من الفراغات السياسية والانقسامات المجتمعية. فهي لا تعتمد فقط على الأدوات التقليدية للنفوذ، بل توظف أيضًا البعد المذهبي كمدخل لإعادة تشكيل الولاءات، إلى جانب أدوات أمنية وشبكات نفوذ غير رسمية تعزز حضورها وتضمن استمراريته.
وبذلك، يصبح المشروع الإيراني أكثر تعقيدًا من مجرد تدخل خارجي، إذ يتحول إلى عملية اختراق بنيوي للمجتمعات والدول، يُعاد من خلالها ترتيب التوازنات الداخلية بما يخدم مصالحه الاستراتيجية، مستفيدًا من غياب الاستقرار وضعف التوافقات الوطنية في هذه الدول.
ماذا عن البعد المذهبي؟
كان السودان على مدار عقود مجتمعًا متماسكًا، يتسم بتنوعه الديني والثقافي لكنه محافظ على وحدة نسجه الاجتماعي. غير أن التأثيرات الخارجية والإقليمية في السنوات الأخيرة أدخلت محاولات ممنهجة لإعادة تشكيل الوعي الديني داخل المجتمع، محاولات تهدف إلى استثمار الدين كأداة سياسية للنفوذ والسيطرة.
تكمن الخطورة في توظيف الدين بهذه الطريقة السياسية، إذ يتحول من كونه عاملًا يوحد الناس ويشكل جزءًا من هويتهم المشتركة إلى أداة للانقسام وصنع الخلافات بين الجماعات والمكونات المختلفة. هذا الاستخدام السياسي للدين يؤدي إلى تفكك النسيج الاجتماعي الذي كان متماسكًا، ويخلق انقسامات عميقة بين المواطنين، بما يهدد الأمن الفكري ويضعف القدرة على التعايش السلمي.
إن هذه الديناميات لا تؤثر فقط على العلاقات بين الأفراد والمجتمعات المحلية، بل تمتد لتطال الاستقرار السياسي والأمني للدولة، ما يجعل مواجهة هذا النوع من التأثيرات ضرورة استراتيجية للحفاظ على وحدة السودان واستقراره على المدى الطويل.
والبعد الأمني؟
العلاقات بين الإخوان وإيران لم تقتصر على مجرد تبادل الزيارات الدبلوماسية أو الدعم السياسي، بل امتدت لتشمل تعاوناً عسكرياً وأمنياً متقناً، مما جعل السودان جزءاً من شبكة إقليمية معقدة من التحالفات والضغوط الإقليمية.
هذا الربط لم يقتصر على الجوانب العسكرية فحسب، بل ساهم في إدخال البلاد في أبعاد استراتيجية تتجاوز حدودها الوطنية، بما يجعل الأمن القومي السوداني عرضة لتأثيرات أجندات خارجية مختلفة. ونتيجة لذلك، أصبح وضع السودان هشاً ومفتوحاً أمام تدخلات واختراقات يصعب السيطرة عليها أو احتواؤها من قبل السلطات المحلية، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد الأمني والسياسي الداخلي ويطرح تحديات كبيرة أمام صياغة سياسة خارجية مستقلة ومتوازنة.
إذن كيف ينعكس ذلك جيوسياسياً؟
يقع السودان في موقع استراتيجي بالغ الحساسية، إذ يشكّل جسرًا حيويًا يربط بين شمال وشرق أفريقيا، ويمتلك واجهة مطلة على منابع النيل التي تمثل شريانًا أساسيًا للأمن المائي في المنطقة بأسرها. هذا الموقع الفريد يجعله لاعبًا محوريًا في أي توازنات إقليمية تتعلق بالموارد المائية والطاقة والنقل الإقليمي، كما يمنحه القدرة على التأثير في مسارات التجارة الإقليمية والممرات الاستراتيجية. وأي وجود إيراني أو نفوذ خارجي آخر على أرض السودان من شأنه أن يعيد رسم هذه التوازنات ويثير مخاطر مباشرة على استقرار الدول المجاورة، بما في ذلك مصر، إثيوبيا، ودول حوض النيل، حيث يمكن أن تتحول المسائل الأمنية والاقتصادية إلى أداة للتنافس الجيوسياسي. هذا السيناريو قد يحوّل السودان من كونه لاعبًا مستقلًا وفاعلًا في الشؤون الإقليمية إلى ساحة صراع تنافسية بين قوى خارجية، مع تهديد محتمل لأمن المنطقة ككل، بما يشمل الأمن المائي والغذائي والاستقرار السياسي، ويضاعف من التوترات بين الدول المتشاطئة على منابع النيل، مما يفرض على السودان تحديات إضافية في إدارة سيادته والحفاظ على دوره الاستراتيجي في المنطقة
كيف يمكن التعامل مع هذا الملف برأيك..؟
أولاً، يمثل تحقيق السلام الشامل والعادل خطوة أساسية لمواجهة جذور النزاعات والأجندات التي أشعلت الحروب في السودان، وهو السبيل الذي يمهد الطريق نحو تعافي البلاد واستقرارها. هذا السلام ليس مجرد غياب للصراع، بل هو عملية متكاملة تتطلب تشكيل وعي استراتيجي لدى القيادة والمجتمع، وبناء شبكة علاقات متينة تقوم على المصلحة الوطنية العليا. كما أن تحصين الداخل يُعد الأساس لأي تنمية مستدامة، ويتحقق من خلال مجتمع واعٍ بقيمه ومصالحه، ومؤسسات قوية قادرة على حماية الحقوق وتطبيق العدالة، إلى جانب هوية وطنية متماسكة تجمع بين تنوع المجتمع ووحدة هدفه الوطني.



