
في العادة، لا تخلو اللقاءات الصحفية، خاصة تلك التي تُجرى مع شخصيات عسكرية أو سياسية بارزة، من توجيه خفي يُمارس عبر أجهزة الأمن. يتم توزيع الأسئلة على مراحل: بعضها لإظهار الضيف، وأخرى لتمرير رسائل، لكن أخطرها تلك التي تأتي في نهاية اللقاء — أسئلة “الكمين” — وتكون مصممة بعناية لاختبار الولاء والانتماء. غالبًا ما تكون بصيغة: “ما هي تطلعاتك؟” أو “ما العقبات التي واجهتك؟”، وهي ليست أسئلة بريئة؛ بل أدوات لقياس مدى توافقك مع النظام، ومعرفة خصومك وحلفائك الحقيقيين.
هذا السيناريو ليس استثناءً في السودان، بل قاعدة مألوفة في الأنظمة الشمولية. من يجيب بشكل “خارج النص”، يُدرج مباشرة في قوائم التصنيف والشيطنة، وتبدأ ماكينة الإعلام الموجه حملتها لعزله وتشويه سمعته.
ولعل من أبرز من مرّ بهذه التجربة، الفريق محمد حمدان دقلو (حميدتي)، الذي أوقعه صدقه في فخ إعلامي نصب له بذكاء في مقابلة شهيرة مع الإعلامي الطاهر التوم على قناة “طيبة” ذات الخلفية الإسلامية. حين سُئل عن العقبات التي واجهته، تحدث بكل وضوح عن “أحمد هارون”، أحد أبرز رموز النظام البائد. كان هذا كافيًا لإطلاق موجة هجوم إعلامي شرسة ضده لم تهدأ إلا بعد وساطة ومصالحة رعاها الرئيس المخلوع عمر البشير.
ثم جاء المشهد الثاني في مسلسل “الغدر”، حين لعب حميدتي دورًا رئيسيًا في اتفاقية جوبا للسلام، واحتضن الحركات المسلحة في محاولة لرأب صدع الوطن. الاتفاقية، التي بدأت من فندق السلام روتانا حتى مدينة جوبا، لم تكن تمر دون مراقبة لصيقة من الأجهزة الأمنية، التي رأت في تقارب حميدتي مع حركات الكفاح المسلح تهديدًا استراتيجيًا. في أحد اللقاءات الصحفية خلال تلك الفترة، طُرح عليه سؤال مباشر: “ما هو الغرض من اتفاق جوبا؟”، فأجاب بعفوية: “تاني ما دايرين مشاكل مع ناس مناوي وموت مجاني في وادي هور.. وأي مشكلة نقعد ليها في التربيزة في الخرطوم”.
كان الجواب كافيًا لإثارة الذعر في قلوب خصومه، لأنه يعكس تحوّلًا حقيقيًا نحو دولة تفاهم لا دولة سلاح.
رغم أنه كان يشغل منصب نائب رئيس المجلس السيادي، إلا أن ذلك لم يشفع له من محاولات الإقصاء والشيطنة. فبدأت الحرب الفعلية — حرب البندقية — على قوات الدعم السريع، في محاولة لنسف المشروع الذي كان حميدتي يعمل عليه، مشروع التغيير من الداخل، ومنع تحوله من “قائد ميداني” إلى “رجل دولة”.
ما فعله حميدتي في الشرق، وفي النيل الأزرق، وجنوب كردفان، ودارفور، من مصالحات مجتمعية وسياسية، لم يشفع له عند خصومه؛ لا من الإسلاميين، ولا من بعض الحركات التي سرعان ما تحالفت مع من كانوا يصنفونهم “أعداء الأمس”، فقط طمعًا في مكاسب آنية، أو رغبة في البقاء داخل اللعبة السياسية بأي ثمن.
لقد تم الغدر بحميدتي مرتين: مرة من قبل الكيزان، ومرة من بعض الحركات المسلحة التي اختارت الاصطفاف مع القوة لا مع الحقيقة. كل ذلك ليس لأن ما فعله ضد مصلحة الوطن، بل لأنه ضد مصالحهم الخاصة، التي لا ترى في التغيير سوى تهديد لامتيازاتها.
لكن، علمنا التاريخ ان الصادقين لن ينهزموا أما إلخونة نهايتهم غير مزبلة التاريخ



