حرب تُدار من خارج الحدود: ماذا كشفت نيويورك تايمز عن الدور المصري في حرب السودان؟
عمار سعيد

تكشف معطيات متقاطعة من تقارير دولية وتحقيقات مفتوحة المصدر أن حرب السودان دخلت طورًا جديدًا عنوانه حرب المُسيّرات ذات الظهير الإقليمي، مع بروز دور مصري يتجاوز الخطاب السياسي إلى إسناد تقني وعملياتي مباشر لصالح الجيش السوداني في مواجهته مع قوات الدعم السريع. فإلى جانب التقارير وآخرها تقرير صحيفة نيويورك تايمز التي تحدّثت عن نقطة تشغيل/تمركز صحراوية داخل مصر—قرب دوائر زراعية واضحة في صور الأقمار الصناعية—تؤكد مصادر صحفية أن هذه المنشآت ليست “قواعد تقليدية”، بل مرافق منخفضة الظهور تلبي متطلبات تشغيل المُسيّرات: ممرات إقلاع خفيفة، محطات تحكّم أرضية، بنية اتصالات، وصيانة ميدانية، بما يسمح بسلسلة دعم كاملة (تدريب، اختبار، صيانة، وتخطيط) دون ضجيج سياسي.
ولا يقف هذا الدور عند حدود الدعم التقني؛ إذ أشارت تقارير سابقة إلى تدخلات مصرية مباشرة في مراحل مبكرة من الحرب باستخدام الطيران المصري، في مسار يعكس انتقالًا من الوساطة المعلَنة إلى التأثير العسكري. وفي السياق نفسه، نقلت تقارير صحفية—منها ما أوردته Reuters—أن مصر سلّمت مُسيّرات للجيش السوداني، وهو ما يترجم عمليًا إلى قفزة نوعية في قدرات الاستطلاع والضرب والرقابة لدى الجيش.
سياسيًا، يطرح هذا السلوك أسئلة جوهرية حول التزام مصر بدورها المفترض كطرف “محايد” ضمن الآليات الإقليمية المعنية بالسودان، والتي يفترض أن تنصرف إلى وقف الحرب وتسهيل الوصول الإنساني وتدفّق المساعدات، لا إلى الدعم العسكري المباشر. فالتوصيف المصري لقوات الدعم السريع باعتبارها “مليشيا مسلحة”، والحديث المتكرر عن “خطوط حمراء” في السودان، ترافق مع توظيف النفوذ والعلاقات الإقليمية للتسويق لشرعية السلطة الانقلابية في أروقة المنظمات الدولية والإقليمية، والسعي إلى إعادة عضوية النظام بقيادة عبد الفتاح البرهان، رغم أن حكومته شُكّلت بقرارات فردية مباشرة، في تجاوز واضح لمبدأ التوافق الوطني والشرعية الدستورية.
الخلاصة أن المشهد لا يقتصر على تفاصيل تقنية معزولة، بل يعكس انحيازًا سياسيًا–عسكريًا أعاد هندسة موازين القوة عبر أدوات عالية التقنية، وأسهم في إطالة أمد الصراع وتدويل وسائله. وبينما كان المنتظر من الأطراف الإقليمية—وفي مقدمتها مصر—العمل على كبح الحرب وفتح الممرات الإنسانية، تُظهر الوقائع، بحسب هذه المؤشرات، انتقالًا من دور الوسيط إلى طرف فاعل في النزاع، بما يحمله ذلك من تبعات خطيرة على السودان والمنطقة.


