الجميل الفاضل يكتب من نيالا يوميات “البحير”: متي يلجم هذا الثور الهائج؟!

يتشكل التاريخ، في كل طور من أطواره، بحال، من أحوال المادة الثلاث: “السيولة، والغازية، والصلابة”.
وهنا، فقد بات السودان غارقا في خضم “تاريخ سائل”، متلاطم الأمواج، قابل لتحويل، أو تعطيل مجري حياته برمتها، أو حتي لتغيير مادة تاريخه، شكلها ولونها تماما.
فكما يقول المؤرخ “هايدن وايت”: “التاريخ ليس مادة لفهم الماضي، بل للتحرر منه”.
بيد أن بقايا الماضي في الداخل، وخصوم التقدم في الخارج، لا زالوا يحاربون آخر معاركهم لقطع طريق التغيير الذي بدأت محاولات السعي لبلوغه بشكل سلمي في خواتيم العام 2018، قبل أن تزج مقاومة الممانعين لهذا التغيير البلاد في حالة هذه الحرب التي نالت من هذا الشعب ما نالت.
إذ كما يقول عبدالرحمن الكواكبي: أن “فناء دولة الاستبداد لا يصيب المستبدين وحدهم، بل يشمل الدمار الأرض والناس والديار، لأن دولة الاستبداد في مرحلها الأخيرة تضرب ضرب عشواء كثور هائج، فتحطم نفسها وأهلها وبلدها قبل أن تستسلم للزوال”.
ولعل أصدق وأدق وصف لدور الحركة الإسلامية في عرقلة مسار التحول المدني الديمقراطي قد جاء في بيان وزارة الخارجية الامريكية الأخير الذي قالت فيه: “لقد لعب الإسلاميون السودانيون دوراً محورياً في إفشال مسار السودان نحو الانتقال الديمقراطي، من خلال تقويض الحكومة الانتقالية المدنية السابقة وعملية الاتفاق الإطاري السياسي.
وقد أسهم هذا السلوك في اندلاع القتال بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في أبريل 2023.
ولا يزال الإسلاميون المتشددون يعرقلون الجهود الرامية للتوصل إلى وقف لإطلاق النار ينهي الحرب، كما أنهم ينمّون علاقاتهم ويتلقون دعماً فنياً من الحكومة الإيرانية، ولا سيما الحرس الثوري الإسلامي، المصنّف منظمة إرهابية أجنبية”.
ان محاولة إعادة عقارب الساعة الي الوراء، حماقة كبري تورط بها إسلاميو السودان، فأعيت كل من حاول مداواتها أو حاول انتشالهم من بين براثنها، فالثورات هي قاطرات التاريخ، التي يقول كارل ماركس أنها قاطرات لا تعود إلي المحطات القديمة.
كما إن الثورات كما قال تشي جيفارا: لا تطلب إذنا من احد، لكنها تصنع طريقها لوحدها.
بل وكما قال الشاعر الاسباني انطونيو ماتشادو: “ليس هناك طريق، فالطريق يصنعه المشي”.
او علي قول الصوفي جلال الدين الرومي: “عندما تقرر أن تبدأ الرحلة سيظهر لوحده الطريق”.
بل هذا بالضبط هو ما فعله تحالف تأسيس وحكومته حين أعلن رئيسها التعايشي الحركة الإسلامية تنظيما إرهابيا، وحظر أنشطتها في البلاد أو قل في نطاق سيطرته علي الأقل، فكان له قصب السبق.
مصداقا لقول انطونيو غرامشي: “اللحظة الثورية لا تكتمل حين يتفق الجميع، بل حين يجرؤ البعض علي الفعل”.



