بين الواقع والدعاية الحربية: قراءة موضوعية في إتهامات الجيش السوداني للإمارات
مجدي محمد مصطفى ماكن

في خضم الحرب الدائرة في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع، لا يكاد يمر يوم دون أن تصدر تصريحات منسوبة لقيادات في الجيش السوداني أو حكومة بورتسودان، تتهم فيه دولة الإمارات العربية المتحدة بدعم قوات الدعم السريع عسكرياً ولوجستياً. و هي تصريحات أثارت جدلاً واسعاً داخل السودان وخارجه، وطرحت تساؤلات مشروعة حول دقة هذه المزاعم، وأهدافها في هذا التوقيت الحرج من تاريخ البلاد.
تفنيد الادعاءات: ما بين الماضي و الحاضر.
هذه الحرب ليست الأولى في السودان، بل هي جزء من سلسلة مستمرة من الحروب، و قد ظل الجيش الذي تحكمت فيه جماعة الإخوان المسلمين يروج في كل حروبه الممتدة لنظرية المؤامرة و التدخل الخارجي. بينما الحقيقة هي ان المشكلة السودانية داخلية في الأساس، لكن الجيش لم يتورع في إطلاق إتهامات ضد أطراف خارجية، لتبرير اخفاقه في إدارة شئون البلاد. للجيش تاريخ طويل مع بروبقاندا حرب، المؤسس على نظرية التآمر الخارجي. لقد كشفت إتفاقية نيفاشا التي أوقفت حرب امتدت لأكثر من 20 عام في جنوب السودان السابق دليل دامغ على عدم مصداقية دعاوي التدخل الخارجي. و بين غياب الأدلة وحضور الحسابات السياسية للجيش الذي تخلى عن دورة العسكري، و اصبح حزب سياسي، رغم الترويج الواسع لاتهامات الجيش عبر منصات إعلامية رسمية وشبه رسمية، إلا أن غياب أي دليل مادي موثق أو بيان رسمي من طرف ثالث محايد يجعل من الصعب تصديق هذه المزاعم دون تمحيص. فالجيش السوداني لم يقدم حتى الآن أي دليل ملموس يدين أبوظبي في هذا السياق، ما يثير الشك حول دوافع الاتهام، خصوصاً في ظل صراع سياسي وعسكري معقّد تتداخل فيه الأجندات الإقليمية والدولية.
دور الإمارات التاريخي في دعم السودان
على مدى عقود، ظلت الإمارات حاضرة في المشهد السوداني كداعم رئيسي لاستقرار البلاد. ويكفي أن نذكر الدور الإماراتي أثناء الثورة السودانية في 2019، حين ساندت الإمارات، مع السعودية، عملية الانتقال السياسي من نظام البشير إلى الحكم المدني، وقدّمت دعماً مالياً مباشراً لتخفيف الأزمة الاقتصادية، إضافة إلى دعمها للمبادرات الأممية والإقليمية لتسهيل التوافق السياسي.
الإمارات وشراكة التنمية والاستقرار
لم تكن علاقات الإمارات بالسودان قائمة على المصالح الضيقة أو التدخلات المشبوهة، بل على شراكة استراتيجية هدفت إلى تحقيق التنمية والاستقرار في السودان. فقد استثمرت الإمارات في قطاعات الزراعة والبنى التحتية والصحة، وموّلت مشاريع إغاثة إنسانية ضخمة خاصة في أوقات الفيضانات والكوارث. كما احتضنت الآلاف من السودانيين الذين يعيشون ويعملون على أراضيها بكرامة، في وقت ضاقت فيه بلادهم بالفرص.
موقف الإمارات من الأزمة الحالية
منذ اندلاع الحرب، دعت الإمارات مراراً إلى وقف إطلاق النار وحقن دماء السودانيين، وشاركت في المبادرات الدولية الهادفة إلى تسوية سياسية شاملة، بما في ذلك مؤتمر جدة ومبادرات “إيغاد”. كما استمرت في تقديم الدعم الإنساني عبر جسر جوي وإمدادات طبية وغذائية إلى المتضررين في السودان ودول الجوار.
خاتمة: العقلانية في مقاربة الأزمات
في أوقات الحروب، يسهل التلاعب بالعواطف وشيطنة الأطراف الخارجية لصرف الأنظار عن الإخفاقات الداخلية. غير أن العقلانية تقتضي من السودانيين عدم الانجرار خلف خطاب التخوين، والتمسك برؤية واقعية تقر بأن استقرار السودان لن يتحقق إلا عبر تسوية وطنية شاملة، بدعم من الشركاء الإقليميين الذين أثبتوا التزامهم الدائم تجاه السودان، وعلى رأسهم دولة الإمارات العربية المتحدة.



