مقالات واراء

جمعة حراز يكتب: الفيدرالية العرجاء… عندما تتحول الشراكة إلى خديعة

في دولة تتكئ على تعدد ثقافي وجغرافي وتاريخي هائل، تصبح الفيدرالية ليست ترفًا مؤسسيًا، بل ضرورة وجودية ومصيرية، وسبيلاً لبناء عقد اجتماعي عادل وشامل. غير أن ما جرى في السودان كان نقيض الفكرة وموتًا بطيئًا للمعنى، حينما تحولت الفيدرالية إلى قناع هش، تخفي خلفه سلطة مركزية متغولة ومُحتكرة للقرار والثروة.
فيدرالية بلا موارد هي خديعة، وسلطة بلا صلاحيات هي مهزلة، وحكم بلا عدالة تنموية هو وصفة جاهزة للانفجار.
لقد ظل المركز السوداني، طوال العقود، يوزع الولايات كأنها غنائم سياسية، ويمنح “السلطة” لنخب الهامش في شكل ألقاب ومواكب، ثم يحجب عنهم الميزانيات، ويفرض عليهم العجز والفشل، ويدفع المواطن المسكين في الأطراف ثمن هذه الكذبة الكبرى.
في هذه الفوضى، تنشأ ولايات على الورق، وتتضخم المعتمديات، وتنتشر المجالس والهيئات، لكن لا كهرباء، لا صحة، لا تعليم، لا طرق، ولا تنمية! ويبقى المواطن يئن تحت سيف الضرائب والجبايات، بينما موارد الإقليم تُنهب وتُدار من الخرطوم.
وهكذا يصبح الحكم الفيدرالي في السودان “عرجاء”:

سلطة بلا صلاحيات،

موارد بلا عدالة،

ولايات بلا تنمية،

وصندوق دعم يُدار بالولاء لا بالاحتياج،

وحكام تُعيّنهم المركزية لا الإرادة الشعبية.

النتيجة؟ المزيد من التهميش، المزيد من التوترات، المزيد من الحروب، ومطالبات بالانفصال لم تأتِ عبثًا، بل خرجت من رحم الخذلان السياسي والتنموي المتراكم.
إن الفيدرالية الحقيقية لا تُبنى بالشعارات ولا بالاحتفالات، بل تُبنى بالعدالة في اقتسام السلطة والثروة، بالتمكين الشعبي، بالانتخابات المحلية الحرة، بالرقابة والمساءلة، وبإرادة سياسية تُؤمن بأن المواطن في الفاشر أو الكرمك أو زالنجي، ليس أقل حقًا من ساكن الخرطوم.
السودان لا يحتاج إلى مزيد من الهياكل الفارغة، بل إلى بنية فيدرالية قائمة على المساواة، التمثيل الحقيقي، والتنمية العادلة.
إننا اليوم أمام مفترق طرق.
فإما إعادة النظر جذريًا في شكل الدولة وآليات إدارتها عبر حوار وطني صادق وشامل،
وإما الانهيار التدريجي الذي يُهدد ما تبقى من هذا الوطن الجريح.
ولن يُكتب لسودان السلام والبناء أن يولد، ما لم تُكسر قيود الفيدرالية العرجاء، ويُفتح الباب واسعًا أمام فيدرالية العدالة والمشاركة الحقيقية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى