تاريخ نشأة الحدود السودانية التشادية وضرورة التأسيس لمشروع التعاون والتكامل بين البلدين
محمد علي مهلة

لقد كان مؤتمر برلين (1884-1885م) هو المحفل الذي منح الدول الأوروبية حق احتلال الأراضي الأفريقية بقوة السلاح، وفقاً لما جاء بالقانون الدولي الأوروبي آنذاك، الذي لم يعترف بالسيادة إلا للدول الأوروبية الخارجة من كنف الإمبراطورية الرومانية. فاحتلت تلك الدول عسكرياً بلاد الآخرين في سباق محموم للاستحواذ على أكبر قدر من مناطق العالم، بدأته بتحديد غير دقيق سُمّي “بمناطق النفوذ” تفادياً للتضارب بين القوى الاستعمارية، ثم أتى لاحقاً الاحتلال الفعلي، ومن بعده تم إبرام المعاهدات والاتفاقيات الحدودية بين تلك القوى. وقد عكست هذه الاتفاقيات والمعاهدات مفاهيم الدول الأوروبية وأطماعها دونما مراعاة لحقوق مواطني البلاد المحتلة.
ففي نموذج الحيازة لمناطق النفوذ في غرب أفريقيا، تمت صفقة تقضي بأن الإقليم الواقع شرق النيجر يندرج في نطاق النفوذ البريطاني، وأن الإقليم الواقع إلى الشرق والشمال والجنوب من شواطئ بحيرة تشاد يندرج في النطاق الفرنسي. وجاء إعلان 11 مارس 1899م بين بريطانيا وفرنسا كبداية لرسم تصوّر لحدود السودان (“دارفور” في عهد السلطان علي دينار) مع تشاد وأفريقيا الوسطى، وهما مستعمرتا أفريقيا الاستوائية الفرنسية. تم الاتفاق على هذا الإعلان بعد التوترات والحرب التي كادت أن تنشب بين بريطانيا وفرنسا عام 1898م، إثر عملية احتلال القوات الفرنسية بقيادة القائد “مارشان” لمنطقة فشودة في جنوب السودان، والتي استردتها حكومة الخديوي لاحقاً بجهود دبلوماسية.
أما معاهدة 8 ديسمبر 1919م بباريس، التي اعتُبرت ملحقاً لإعلان مارس 1899م، فقد اتفقت فيها بريطانيا وفرنسا على أن يكون رسم حدود السودان مع تشاد وأفريقيا الوسطى وفقاً للتالي: “يُتابع خط الحدود، من حيث المبدأ، فاصل المياه بين خط تقسيم المياه في حوضي نهر النيل ونهر الكونغو حتى تقاطعه مع خط عرض 11 درجة شمالاً. فتُرسم الحدود من تلك النقطة بحيث تفصل، من حيث المبدأ، مناطق دار كوتي ودار سيلا ووداي ودار تاما من مناطق التعايشة والقبائل الأخرى الخاضعة لدارفور ودار مساليت ودار قمر. وتعزيزاً لذلك المبدأ، يجب أن تجري الحدود إلى ملتقى وادي أزوم مع وادي كجا، ومن ثم تتابع من هناك وادي كجا حتى تقاطعه مع وادي أسُنقا. ومن ثم يجب أن تتابع الحدود مع وادي أسُنقا إلى نقطة تقاطع جبل كودير، ونحو الشمال بحيث تتابع حدود التاما والمساليت، ومن الحدود الشرقية لدار تاما حتى تصل أقصى نقطة التقاء بين دار تاما ودار قمر وتجري شمالاً حتى وادي هور. ويُرسم الحدود على كل هذا الجزء لتفصل دار تاما والإقليم الذي يقطنه فرع من قبيلة الزغاوة كوبي الخاضع للسلطة الفرنسية، من قبائل الزغاوة الأخرى.”
هذا هو التسلسل الذي رُسمت به حدود البلاد بواسطة المستعمرين، وفقاً لما ورد بدراسة عن حدود دارفور التاريخية، وبالتالي هي حدود السودان مع تشاد، تلك الدراسة التي أعدتها مفوضية الأراضي بدارفور.
ومعلومٌ أنه قبل قدوم الاستعمار، وعلى مدى أزمان متفاوتة، كانت البلدان بهما مجموعة من أشكال الحكم والسلطنات السودانية الممتدة لمئات السنين، مع علاقات تاريخية بين هذه المجتمعات لآلاف السنين؛ ونعني بذلك بلاد السودان الكبير، وفق المفهوم الذي تناوله الدكتور عبدالهادي الصديق في كتابه: “الحزام السوداني: جغرافيته وتاريخه الحضاري”.
أما أولى النزاعات بين البلدين، فقد بدأت بعد استقلال تشاد في العام 1960، وتعلّق النزاع بتفسير قسم من بروتوكول 1924 بشأن الشريط الحدودي في منطقة “إنياتا” التابعة لمركز قوز بيضة التشادي، ومنطقة “أنديبوكا” التابعة لمركز الجنينة. حيث وجد مزارعو قوز بيضة التشاديون أن أراضيهم التاريخية للمزارع والجنائن قد أوقعها ترسيم الحدود داخل السودان، والعكس تماماً بالنسبة للمزارعين السودانيين الذين وقعت مزارعهم وجنائنهم داخل تشاد. وفي نهاية الأمر، سُمح للمزارعين السودانيين، وأغلبهم من المساليت الذين لديهم جنائن فاكهة وخضروات داخل منطقة “إنياتا” التشادية، بالاستمرار في زراعة تلك الجنائن بشرط عدم التوسع فيها والالتزام بدفع الضرائب لحكومة تشاد. كما تم الاتفاق لورثة أصحاب تلك الجنائن بالاستمرار بنفس الشروط. وأيضاً سُمح للمزارعين التشاديين الذين لديهم مزارع داخل منطقة “أنديبوكا” السودانية بالاستمرار في الزراعة بنفس الشروط المطبقة على المزارعين السودانيين.
وبتاريخ 15 يناير 2010، تم توقيع اتفاقية لتشكيل قوات مشتركة بين السودان وتشاد، لمنع الاختراقات الحدودية بكامل أشكالها وحفظ الأمن. وتم إنشاء وتشكيل اللجنة العسكرية الأمنية المشتركة، تتكون من رؤساء الأركان ورؤساء الأجهزة الأمنية بالبلدين، لتكون المرجعية العليا للقوات المشتركة. والقوة المشتركة قوامها 3000 فرد مناصفة بين الطرفين، و26 مراقباً لكل طرف. ومناطق الانتشار من الجانب السوداني هي: “أمبرو – كُلْبس – بيضة – هبيلا – فور برنقا – أم دخن”، والمناطق التشادية هي: “كارياري – بهاي – أم جرس – برك – أدري – أنجريمة”. وتم تشكيل القيادة والسيطرة للقوات واللجنة الأمنية المشتركة.
إن حرب 15 أبريل التي اندلعت بالخرطوم أحدثت تغييرات هائلة، وخلقت تحديات كبيرة، وأصبحت حدود السودان مع تشاد تقع بشكل مباشر تحت دائرة اختصاص حكومة السلام. وهذا الأمر يقتضي التأسيس لعلاقات تبدأ بحفظ الأمن وتتدرج إلى التعاون الاقتصادي والتجاري والتعليمي والثقافي.
من المبكر الحديث عن تعاون وتكامل شاملين، ويمكن البداية ببروتوكولات تعاون لحفظ الأمن والتجارة الحدودية، لتتطور لاحقاً إلى اتجاه استراتيجي. وفي هذه الجزئية، كتب الأستاذ عبدالهادي الصديق في كتابه عن الحزام السوداني توجيهات في غاية الأهمية للتعاون والتكامل بين جميع دول الحزام، منها: تكثيف عمليات تبادل الصناعات الثقافية المختلفة مثل الكتاب، السينما، الرياضة، والمعارض؛ والتعاون بين الجامعات والمعاهد والمراكز الثقافية ومراكز البحث العلمي والترجمة حول الموروثات المشتركة بين دول المنطقة؛ وتوسيع مجال تبادل البعثات الدراسية بين جامعات المنطقة ومعاهدها المتخصصة (“معاهد الدراسات الأفريقية”)؛ وتشجيع فكرة إعادة كتابة تاريخ المنطقة على أسس وطنية أفريقية جديدة؛ وإقامة جامعة لدول المنطقة؛ وإحياء موروث جامعة سونكري وتمبكتو ونفض الغبار عن الوثائق المتراكمة في معهد تمبكتو والمعهد الفرنسي لأفريقيا السوداء (IFAN) في داكار.
كما قدّم توجيهات لإعادة تنشيط التعاون والتبادل الاقتصادي والتجاري والفني بدول المنطقة على النحو التالي:
1. إنشاء هيئات مشتركة بين الدول تفتح أبواب التبادل التجاري، وإبرام الاتفاقيات لسد حاجة الأسواق في الدول وإنشاء المشاريع الصناعية والتجارية والزراعية المختلفة.
2. العمل في إطار الهيئات المشتركة لسلع مثل الفول السوداني والصمغ العربي وتبادل الخبرات والتجارب في حقول الزراعة والغابات والري، آخذين في الاعتبار التبادل التجاري التقليدي كتجارة الحدود وبما يمليه التداخل القبلي بين السكان. واتباع نظرة الحدود المفتوحة بين الدول وإلغاء تأشيرات الدخول وتوفير وثائق العبور، وتخفيض الرسوم والضرائب الجمركية، وإبرام اتفاقيات جمركية واتفاقية للعبور (“ترانزيت”)، ومراجعة قوانين الهجرة. والعمل على توحيد السياسات والقوانين وتوطيد أواصر التعاون والتنسيق بين السلطات والمحافظات والإدارات على الحدود المشتركة ومنحهم سلطات مشتركة لتنفيذ هذه السياسات.
3. إقامة مشاريع لتطوير شبكات الاتصال كبناء الطرق البرية، كما هو مخطط للطريق من لاغوس إلى ممباسا ومن نواكشوط إلى إنجمينا ليرتبط بالطريق الصحراوي من داكار إلى إنجمينا، والذي يلتقي بدوره بطريق الإنقاذ الغربي في السودان والذي يصل إلى بورتسودان ومصوع. وشبكة خطوط السكك الحديدية التي تواصل مسيرتها من الكاميرون إلى نيجيريا، ومن ثم تتجه غرباً وشمالاً إلى دول المغرب العربي ودول وسط الحزام السوداني، حيث تؤمن هذه الشبكة نقل البضائع من دول الحزام المغلقة (land-locked) شرقاً إلى ميناء بورتسودان أو غرباً إلى الدول المطلة على المحيط الأطلسي. وفي مجال الخطوط الجوية، إلى جانب الخطوط العاملة بهذه المنطقة، بإمكان إنشاء شركة خطوط جوية مشتركة على غرار شركة الخطوط الجوية الأفريقية (Air Afrique) العاملة في دول غرب ووسط أفريقيا الفرانكوفونية. كما يجب تطوير وسائل الاتصال السلكية واللاسلكية والاتصالات الحديثة وقنوات التلفزة والإذاعة بمختلف اللغات.
4. تبادل الخبرات في مجال مكافحة الجفاف والتصحر وإقامة الهيئات والمشاريع والمعاهد المختلفة؛ والتعاون لمحاربة الأمراض المتفشية في الإقليم؛ وتبادل الخبرات للتجارب المماثلة في مجال الزراعة والتغذية والعلوم الاجتماعية.
ويمكن أن نبدأ بتكييف بعض توجيهات التعاون والتكامل مع الشقيقة تشاد، وفقاً للحاجة وفن الممكن، والظرف الحرج الذي تمر به بلدينا.


