النور حمد : ” العسكر للثكنات والجنجويد ينحل” شعار ساذج ، غارق فى الطوباوية والتهويم والتفكير الرغبوي
حوار خاص على صحيفة إدراك (3ــ3)

في الجزء الأخير من الحوار الخاص لصحيفة إدراك الإلكترونية مع الباحث والمفكر الدكتور النور حمد تناول بداية النهاية للحرب، وجدل العلمانية في السودان، ومستقبل الإخوان المسلمين ما بعد الحرب، والخطاب السلبي للجذريين من ثورة ديسمبر ومدى تاثير ذلك على الفترة الانتقالية ، كما تناول موقف تنسيقية تقدم من إيقاف الحرب وما بعدها .
كل تلك المحاور أجاب عليها بشكل تفصيلي وإيجاز واضح دون تردد وبالتحليل الفكري والسياسي العميق والشفافية التى يتحلى بها الدكتور النور حمد !
هل تكون هذه الحرب هى بداية النهاية للحروب الأهلية بالسودان؟
نعم، نحن السودانيون، كنا بحاجة إلى هذه الحرب الكارثية لتستيقظ عقولنا ولتمتلك الحكمة التي تمكننا من إنهاء متسلسلة الحروب والعنف التي سادت بيننا لقرابة السبعون عاماً. فحين تعجز العقول وتؤثر النفوس البقاء في مستنقع الجهالات والوحشية والتخلف الاخلاقي، تتقدم عين الله وروح الكون الساهرة دومًا على ترقية البشر، بالطوع والكره، لتأتي بالكوارث الماحقة لتصبح أداة للتعلم، ومن يسلم من المحق والانقراض الكامل، فقد لطف الله به، وكما قال الحكيم الصوفي ابن عطاء الله السكندري: “من لم يُقبِل على الله بملاطفات الإحسان، قِيد إليه بسلاسل الإمتحان”. هذه الحرب سواء طالت أم قصرت، ونرجو ألا تطول أكثر مما فعلت، هي المنعطف الذي سيؤرخ لنهاية الحروب في السودان.
“أتمني عقب الحرب إنتهاء أمراض السياسة السودانية والقضاء علي سرطان الأخوان،نحتاج لفترة انتقالية طويلة”
على ضوء مقولة الأستاذ محمود محمد طه: حول مستقبل جماعة الاخوان المسلمين إلى أى مدى سوف تتحقق تلك الرؤية؟
لا شك لدي أن تلك النبوءة ستتحقق، طال الزمن أم قصر، فهي نبوءة تأسست على معرفة بإرادة الله بالكون وبالبشر على إختلاف السياقات، ومن بينها سياقنا السوداني الجريح هذا، وعلى معرفة بمتسلسلة التاريخ البشري الذي لا يزال يخرج قليلاً، قليلاً، من جوف الغابة ودياجير الوحشية إلى براح الانسانية، فالإخوان المسلمون ظلوا يقفون منذ نشأتهم في الجانب الخطأ من التاريخ، وحتماً سيلفظهم التاريخ مثلما لفظ كل الأنظمة الفاشية من قبلهم، وإن كنت تعني إصطراعهم فيما بينهم الذي سيقضي عليهم، فهذا قد بدأ منذ إقصائهم للدكتور الترابي في نهاية التسعينات من القرن الماضي، وقد أصبح هذا الاصطراع الداخلي اليوم، في ظل مناورات الفريق البرهان البائسة اليائسة، أوضح من أن يضطر أحدٌ إلى تسليط الضوء عليه، لقد إقتلع الإخوان المسلمون أوتاد خيامهم بأنفسهم، وإني لأراهم بعين بصيرتي يطوون بأنفسهم صفحتهم الملوثة الكريهة من تاريخ السودان إلى غير رجعة، ولو بقوا قليلاً، وأرجو ألا يحدث ذلك، فإلى أجل معلوم.
” الموقف السلبي للجذريين وخطابهم المضلل تجاه تقدم ونهج نزعة السيطرة وإحتكار الثورة ، وشقهم للجان المقاومة تلك أمراض متجذرة في قيادات الحزب الشيوعي”
بعد المؤتمر التأسيسي لتقدم ماهى رؤيتك لمستقبل التحالفات السياسية بالسودان بعد إصرار الجذريين الإبتعاد من تقدم؟
تنسيقية “تقدم” هي، بلا منازع، أكبر مظلة جامعة للقوى المدنية التي أنجزت الثورة، لكن، للأسف حال بينها وبين أن تكون مظلة جامعة بصورة أكثر شمولاً لكل قوى الثورة، الموقف السلبي منها من جانب من يسمون بـ “الجذريين” ثم، الخطاب المضلل الذي شق به الجذريون لجان المقاومة الشبابية، موقف الجذريين من تقدم، في نظري، موقف خاطئ ودوافعه مريضة، متجذرة في أمراض قيادات الحزب الشيوعي المزمنة، ونهجه الذي تطغى عليه نزعة السيطرة واحتكار الثورية. أعني، نزعة الإنفراد بالإمساك بِمِقْوَدِ الثورة وجني ثمارها بانفراد وهي نزعة تتشاركها معهم بعض فصائل حزب البعث بهذا الموقف، وضع الجذريون أنفسهم، أرادوا أو لم يريدوا، في صف العاملين على وأد الثورة ومحوها، وأصبحوا قوة داعمة للفلول ولعودة النظام المقتلع وخصم على الثورة وأهدافها. ومع ذلك تبقي هناك سلبيات لبعض الأحزاب والأفراد بتقدم قد تؤثر سلبا في الأداء سيضر بتنسيقية “تقدم” إرث الأحزاب السياسية الكَلِفَةِ بالمحاصصات، وكذلك الطموحات الفردية للقيادات داخل هذه الأحزاب السياسية، ممن تكون عيونهم مصوبة دوماً على المناصب، ولا شيء غير المناصب، هناك من الأفراد والأحزاب ممن لم يقف مع الثورة إيماناً حقيقياً بمبادئها، وإنما لرجحان أن تنجح، ومن ثم، ينبغي الاستثمار في سلتها، هذا النوع من السياسيين يضع رجلاً في المركب وأخرى في الطوف، ولقد سبق أن شهدنا ما جرى من محاصصة في تشكيل الحكومة الثانية للدكتور عبد الله حمدوك أثناء الفترة الانتقالية، وما أدت إليه من فقدان الجماهير الثقة في منظومة “قحت”.
في إعتقادي، أن سيناريو المحاصصات سيتكرر مرة أخرى، فالتطور لا يحدث بين يوم وليلة، والأمراض المزمنة لا تشفى بين يوم وليلة، فعبدة المناصب ومهتبلو الفرص الشخصية لن يتغيروا بسهولة، لكن، أرجو أن تأخذ الأمور عقب هذه الحرب منحى مختلفاً، أعني؛ منحى يقضي على أمراض السياسة السودانية المتوارثة، ويقضي في ذات الوقت على سرطان الإخوان المسلمين الذي لم يترك عضواً في جسد السودان إلا وتغلغل فيه ونهشه نهشا. البلاد بحاجة إلى فترة انتقالية طويلة، خاصة بعد هذا الدمار الكارثي الذي أصاب كل شيء فيها، كما هي بحاجة إلى جيش جديد يحمى الفترة الانتقالية من الانقلاب عليها ويحمي كل المسيرة المتجه نحو التحول الديمقراطي الكامل لن تصمد القوى المدنية في الحكم في المرحلة المقبلة مع إنتشار السلاح الواسع الذي جرى مؤخراً، ومع مليشيات الأجهزة الأمنية للإسلاميين وما تخبئه من أسلحة وذخائر ومتفجرات وما تضمه من متطرفين.
لن تصمد القوى المدنية عبر الفترة الحرجة التي تعقب الحرب، إلا إذا وقفت معها قوة تملك السلاح، وعلى القوى المدنية أن تنشغل، منذ الآن، بذلك التحدي، شعار “العسكر للثكنات والجنجويد ينحل”، شعاراً ساذج غارق في الطوباوية والتهويم والتفكير الرغبوي، هذا الشعار لم يتحقق في الفترة الانتقالية السابقة الموءودة، لعدم توفر شروط تحققه، ولن يتحقق في الفترة الانتقالية القادمة، حين نبلغ عتبتها، لأن شروط تحققه لم تتوفر بعد، أيضاً مرة أخرى، لن يتم تحقيق هدف إبعاد العسكر بشقيهم عن السياسة، وهو هدف مشروع، بالتهويم الرغائبي والقفز في الفراغ، وإنما عبر قراءة الواقع الماثل عملياً، والإدارة الذكية لما هو متحقق اليوم عملياً على الأرض، إن أسوأ ما يمكن أن ينتج من هذه الحرب هو عودة الإسلامويين وجيشهم إلى الحكم مرة أخرى، ولقد شهدنا قبل أيام قليلة كيف أتي قادة جيش الإسلامويين ببعض من منتسبيهم، ممن يسمون “رجال الدين”، ليحدثوا الجنود بأن الدولة الأموية والعباسية قد كانتا دولتين عسكريتين، وأن الحكم لا ينبغي أن يكون إلا للعسكر وحدهم.
“جدل العلمانية فارغ يثيره الأخوان المسلمين لفتنة ماكرة منذ الستينيات في شيطنة العلمانية لجر البسطاء لحتفهم “
هل العلمانية ضرورة ملحة لإنجاز مشروع الدولة السودانية؟
“جدل العلمانية” هذا الجدل الفارغ هو جزء من بروباغندا الإسلاميين الغثة الماكرة التي ظلت تمارسها منذ الستينات من القرن الماضي منخرطة عبرها في شيطنة العلمانية، لجر البسطاء إلى حتوفهم، وهم معصوبي الأعين، كل دول العالم دول علمانية؛ أي أنها دول وظيفية، سواء أن كانت ملكية، أو ديكتاتورية وفقاً لنظام الحزب الواحد، أو ديمقراطية، لا توجد دولة دينية في عالم اليوم ،بل لم توجد دولة دينية في تاريخ العالم، ما جرى تطبيقه في التاريخ الإسلامي منذ الفتنة الكبرى كان أنظمة علمانية تتمسح بالدين، هنا وهناك، لأغراض سياسية، وقد تمسحت بالدين في التاريخ مختلف الامبراطوريات والممالك القديمة وعلى رأسها الإمبراطورية الرومانية، ولم يكن ذلك إلا لغش الجماهير باسم الدين وشل قدرتها على المقاومة. ومن آخر هذه نماذج العلمانية القحة المتمسحة بالدين، هذا النموذج الشاذ الفاسد الذي طبقه الإسلامويون في السودان، وفضحوا به كذب التمسح بالدين، كما لم يفعل نظام آخر في التاريخ.
تركيا، وإندونيسيا، وماليزيا، دول يغلب في تعداد سكانها المسلمون، لكن أنظمة الحكم فيها أنظمة علمانية؛ بمعنى أن لديها حكومات وظيفية تنفذ برنامجاً محدداً للحكم والإدارة، وكل الدول العربية، بما في ذلك المملكة العربية السعودية، وكل دول الخليج، وسائر الدول العربية من المحيط إلى الخليج، حكوماتها حكومات وظيفية، وليست حكومات دينية، هذا الجدل الفارغ حول العلمانية والطرق على شيطنة المصطلح، أثاره إسلاميو السودان لتشويه صورة خصومهم في عين الجمهور من أجل إبقاء السلطة والثروة في أيديهم وحدهم، هذا النوع من الجدل الفارغ حول العلمانية لا يوجد في أي قطر غير السودان.
في النظام الديمقراطي تتقدم الأحزاب ببرنامج سياسي وإقتصادي وإجتماعي لتقوم بتنفيذه في فترة محددة يصوت له الجمهور بالقبول أو بالرفض، ويفوز بالحكم لفترة محددة برنامج الحزب الذي يلقى قبولاً جماهيرياً. فالحكومة الدينية المزعومة التي يريدونها لا تعني أي شيء غير إخضاع الناس إلى نظام حكم مطلق باسم الدين. نظام حكم لا يتغير قط بزعم أنه آتٍ من السماء، فالبقاء في السلطة إلى الأبد باسم السماء، كذباً وافتئاتاً، هو ما يريده الإخوان المسلمون، وهذا ما رأيناهم يحاولونه عملياً في السودان، ولا يزالون، ولكن هيهات، حكموا ثلاثين عاماً ولم نرى أي درجة من التطبيق للشريعة الإسلامية، بل أقاموا أبشع وأفسد وأفشل نظام حكم عرفه التاريخ المعاصر.

