السودان على أعتاب عزلة جديدة: هل تقود الحرب إلى إعادة إنتاج دولة الإسلاميين والعسكر؟

بينما تستمر الحرب السودانية في استنزاف الدولة والمجتمع، تتزايد داخل الدوائر السياسية الغربية، وعلى رأسها الكونغرس الأمريكي، الأصوات المطالبة بإعادة النظر في طبيعة السلطة التي تشكلت في بورتسودان، ومدى ارتباطها بالشبكات السياسية والعسكرية التي حكمت السودان خلال العقود الثلاثة الماضية. ولا تنبع هذه المخاوف من تطورات الحرب وحدها، بل من مؤشرات متنامية على عودة الإسلاميين إلى مفاصل الدولة، وتصاعد نفوذ المؤسسة العسكرية على حساب المجال المدني، الأمر الذي يضع السودان أمام خطر العزلة الدولية في لحظة تاريخية شديدة الهشاشة.
لقد كشفت الحرب، بصورة لم يعد بالإمكان تجاهلها، أن الصراع الدائر ليس مجرد مواجهة عسكرية بين الجيش وقوات الدعم السريع، بل هو أيضاً صراع حول طبيعة الدولة التي ستخرج من رماد الحرب. فبينما يتحدث الخطاب الرسمي عن الدفاع عن السيادة الوطنية ووحدة البلاد، يرى كثير من المراقبين أن الحرب وفرت فرصة مواتية لإعادة تمكين القوى التي أطاحت بها ثورة ديسمبر، وإعادة إنتاج بنية السلطة التي حكمت السودان باسم الإسلام السياسي لأكثر من ثلاثة عقود.
إن عودة عناصر الحركة الإسلامية إلى واجهة المشهد السياسي والأمني لا تُقرأ في الغرب باعتبارها مجرد تطور داخلي، بل باعتبارها مؤشراً على فشل عملية الانتقال الديمقراطي وعودة الدولة إلى أنماط الحكم التي ارتبطت بالعزلة والعقوبات والصراعات الإقليمية. ولهذا فإن أي حديث عن إعادة تمكين الإسلاميين لا يُنظر إليه باعتباره قضية سودانية خالصة، بل باعتباره قضية تتصل بالأمن الإقليمي والدولي.
وفي هذا السياق تبرز الاتهامات المتزايدة بشأن النفوذ المتعاظم لضباط محسوبين على التيار الإسلامي داخل المؤسسة العسكرية. وسواء كانت هذه الاتهامات دقيقة بالكامل أو جزئية، فإن الأثر السياسي لها أصبح واقعاً لا يمكن إنكاره. فالصورة التي تتشكل في الخارج لا تقوم فقط على الحقائق المجردة، وإنما على الانطباعات التي تنتجها السياسات والتحالفات والخطابات الرسمية.
إن أخطر ما أفرزته الحرب ليس فقط الدمار الإنساني والاقتصادي، وإنما التحول المتسارع نحو عسكرة الحياة العامة. فقد أصبحت المؤسسة العسكرية الفاعل السياسي الأول، وتراجعت المؤسسات المدنية إلى الهامش، بينما جرى تعطيل مشروع الانتقال الديمقراطي الذي كان يمثل الأمل الأكبر للسودانيين بعد سقوط نظام البشير.
وتاريخياً، لم تنجح أي دولة في بناء استقرار مستدام تحت هيمنة المؤسسة العسكرية على المجال السياسي. فالعسكرة تنتج بطبيعتها دولة أمنية تنظر إلى المجتمع باعتباره موضوعاً للضبط والسيطرة، لا شريكاً في الحكم وصناعة القرار. كما أنها تؤدي إلى إضعاف المؤسسات المدنية وتقويض آليات الرقابة والمساءلة، وهو ما يفتح الباب أمام إعادة إنتاج الاستبداد بأشكال جديدة.
ومن المفارقات أن الخطاب الرسمي يرفع شعار السيادة الوطنية في مواجهة الضغوط الخارجية، بينما تؤدي السياسات الداخلية نفسها إلى إضعاف أسس تلك السيادة. فالسيادة في العصر الحديث لا تُقاس بعدد البنادق ولا بحجم الخطاب التعبوي، بل بقدرة الدولة على امتلاك الشرعية الداخلية والاعتراف الدولي معاً. وعندما تفقد الدولة ثقة مواطنيها أو تتراجع مكانتها الدولية، تصبح سيادتها عرضة للتآكل مهما رفعت من شعارات الاستقلال الوطني.
إن السودان يقف اليوم أمام معادلة شديدة التعقيد. فمن جهة، هناك حرب مدمرة تستنزف مقدرات البلاد. ومن جهة أخرى، هناك مخاوف دولية متزايدة من أن تفضي هذه الحرب إلى قيام سلطة أكثر ارتباطاً بالإسلاميين والعسكر وأقل التزاماً بمسار التحول الديمقراطي. وإذا استمرت هذه الصورة في الترسخ، فإن البلاد قد تواجه موجة جديدة من العزلة السياسية والاقتصادية، بما يحمله ذلك من تداعيات خطيرة على إعادة الإعمار والاستثمار والعلاقات الخارجية.
غير أن الأزمة الحقيقية تتجاوز الحرب نفسها. فجوهر المأزق السوداني يكمن في غياب مشروع وطني ديمقراطي قادر على تجاوز ثنائية العسكر والإسلاميين من جهة، وثنائية الحرب والانقسام من جهة أخرى. فالسودان لا يحتاج إلى انتصار طرف مسلح على آخر بقدر ما يحتاج إلى تأسيس عقد اجتماعي جديد يعيد بناء الدولة على أسس المواطنة والعدالة والحرية.
إن أخطر ما يمكن أن تفرزه الحرب ليس هزيمة هذا الطرف أو ذاك، بل انتصار الفكرة التي قادت السودان إلى أزماته المتكررة: فكرة احتكار الدولة باسم العقيدة أو البندقية. وعندما تُختزل الدولة في جماعة سياسية أو مؤسسة عسكرية، فإن النتيجة الحتمية تكون المزيد من الحروب والعزلة والانهيار.
لقد أثبتت التجربة السودانية، كما أثبتت تجارب عديدة في العالم، أن الدولة التي تُبنى على التعددية والمواطنة أقدر على حماية سيادتها من الدولة التي تُبنى على الإقصاء والهيمنة. ولهذا فإن معركة السودان الحقيقية ليست معركة السيطرة على الأرض، بل معركة استعادة السياسة من قبضة الحرب، واستعادة الوطن من أسر الأيديولوجيا والسلاح.



