الحرب التى يقودها الإسلاميون في دارفور … هل تمهد لإنفصال الأقليم الملتهب..؟
إدراك _ الخرطوم

مياه ساخنة تجري تحت جسر وحدة السودان الآيلة للسقوط، خطوات اعتزمها طرفا الحرب في السودان، يرى مراقبون أنها تمهد لإنفصال ثاني في جسد الدولة السودانية، حيث يرى مراقبون أن تحركات الاسلاميين تسعى لفصل إقليم دارفور، من خلال تكثيف قصف الطيران والضغط على الحركات المتحالفة معهم وإتهامها بالفساد، وتغيير العملة وإجراء إمتحان شهادة سودانية دون أبناء الولايات الغربية.. في ذات الأتجاه يتم تفسير تأسيس الدعم السريع إدارات مدنية في مناطق سيطرته، خطوة نحو التقسيم.
ترى، هل تنحرف حرب الخامس عشر من أبريل، عن مساراتها المعلنة لدى الطرفان، والإرتداد لجذور الأزمة السودانية؟ وهل يمهد كل ذلك لانفصال الاقليم؟
مثل القصف الجوي المستمر من قبل الجيش للمدنيين بدرافور، علامات إستفهام حول نوايا الإسلاميين الي دفع دارفور نحو الإنفصال
جملة من التساؤلات طرحتها (إدراك) على عدد من القيادات المدنية والسياسية بالأقليم. القيادي بلجان المقاومة “أحمد السيد باتيا”، ذهب إلى أن الوضع في دارفور معقد للغاية، وهناك تكهنات حول إحتمال انفصال الإقليم عن السودان بسبب القصف المستمر، أضافة إلى أن الضغط على الحركات المتحالفة مع الجيش، قد يزيد من التوترات ويؤدي إلى تفاقم الوضع، مما يمهد الطريق لانفصال الإقليم ومع ذلك، فإن تحقيق الإنفصال يتطلب عوامل متعددة، يشمل ذلك الدعم الدولي والإرادة السياسية من جميع الأطراف المعنية بالأزمة السودانية. ويمضي “السيد” إلى أن الفريق اول محمد حمدان دقلو (حميدتي)، قائد الدعم السريع، شدد على وحدة السودان، وسيادة أراضيه، خلال خطاب اتهم فيه مصر بقصف قوات الدعم السريع بالطيران الحربي، لكن ذلك لم ينقص من تشدد الاسلاميين تجاه فصل الأقليم كعادتهم دائماً، وتصاعدت دعواتهم عقب إعلان الدعم السريع تشكيل الإدارات المدنية لإدارة شؤون الحكم في المناطق التي يسيطر عليها، وازداد الآن بعد قرار تشكيل الحكومة.
يستبعد الباحث “هشام محمد ” خيار الإنفصال في ظل التمدد الجغرافي لولايات دارفور وكردفان في الشمال والشرق ، وهذا ما يدفع الطرف الآخر في صعوبة القبول بالخيار
انفصال دولة جنوب السودان، وجد وقتها دعما من القوى السياسية الجنوبية وجماهيرها التي وجدت أن خيار الانفصال هو الأنجع لآلامها الأزلية، ترى هل يفكر الدارفوريون بذات الرؤية؟ الأستاذ “هشام محمد” قال: محاولات الاسلاميين فصل دارفور لم تبدأ مع موجة قصف الطيران فحسب، الذي يعتبر حلقة في سلسلة اجراءات كثيرة، ظهرت مع بدايات الحرب في دارفور بشحن صدور المجتمعات المحلية، واشعال الفتن هذا ضد هذا، بعدها مرحلة (شيلو تاركم)…والإتهامات بعدم سودانوية هذا وذاك ..ثم الآن مرحلة الجوازات وتغيير العملة والامتحانات.
ويمضي: ما يحدث الآن ضغط لدفع البعض لطرح خيار الانفصال، لانه لا يمكن قانونيا ولا دستوريا الآن بتر أحد أطراف البلد، أو حتى المطالبة بذلك ..فالرأي ان يدفعوهم اليه دفعا، لكنهم تناسوا ارادة الشعوب، والانفصال ليس خيارا مطروحاً للدارفوريين او (الكردافه) ( كردافور)، وحتى اذا فرضنا ذلك جدلاً، فحدود دارفور وكردفان، شمالاً مصر، وشرقاً ام در مان، فهل سيقبلون بهذه الخارطة!.
الصحفي “حافظ كبير ” التيار العنصري وسط الحركة الإسلامية مدحور ومهزوم لا شك في ذلك
البعض يرى أن حرب الخامس عشر، أخرجت أثقال النعرات القبلية والعنصرية، وما يتبدى الآن في سوح القتال، يحمل موروثات العنصرية والجهوية، التي تأسست في بدايات السودان الحديث وتمتد جذورها حتى الدولة المهدية. الصحفي والسياسي “حافظ كبير” قال لـ”إدراك” : هناك تيار عنصري داخل الإسلاميين، يتعامل مع الدولة منذ سيطرتهم عليها في انقلاب الإنقاذ 1989، ويرفض الآخر من دوافع ايديولوجية وعنصرية، هذه الصفات أصيلة في هذا التيار، وليست مرتبطة بالصراع السياسي وتداعياته، وعندما كانت الخيارات أمامهم بفصل الجنوب، أو التنازل قليلاً من أجل الوحدة وفق أسس جديدة؛ اختاروا الإنفصال للمحافظة على مصالحهم الضيقة. وها هو الصراع السياسي يعود من جديد إلى محطة مفصلية من تاريخ البلاد، فاستخدم هذا التيار كل إمكانياته العسكرية والاقتصادية وخطاب الكراهية عبر الآلة الإعلامية المملوكة للدولة، عندما اقتربت الساحة السياسية من الوصول إلى اتفاق تاريخي يضع السودان في مرحلة جديدة للانتقال السياسي من حالة الصراع والعسكرة، إلى الاستقرار السياسي والحكم المدني الديمقراطي.
ويمضي “حافظ”: لا أعتقد أن تيار الإسلاميين العنصري سينجح هذه المرة في فصل دارفور، مثلما نجح سابقاً في فصل الجنوب، لأن القوى السياسية المدنية، والمكونات الاجتماعية وحتى العسكرية المناوئة له، أقدر على مواجهة هذا التيار بأدوات شتى، وقادرون على هزيمته في ظل وعي سياسي متجاوز للأطر الضيقة، وانفتاح على التعدد، وقبول الآخر. ورغم الصراع العنيف، المستمر منذ أبريل 2023، والتداعيات الفظيعة التي تركها في الوجدان السوداني، إلا أن الوعي السياسي بالمصير المشترك لشعوب السودان في مختلف الأقاليم، متعاظم ومجمع عليه في الرأي العام والنخب والأغلبية العظمى من السودانيين. قضية الوحدة الوطنية مركزية لدى الجميع، والتيار العنصري مدحور ومهزوم لا شك في ذلك.
إستهداف الإسلاميين للمواطن في دارفور وكردفان لتحريك بركان الغضب والتفكير جلياً في الانفصال للمحافظة على مصالحهم الضيقة
هل يسعى الأسلاميون حقيقة لدفع (الغرب) للانفصال؟ للتخلص من حمولة الأزمات كما يرى البعض، القيادي الشاب “إيهاب مادبو” قال: ربما يذكر من عايشو فترات ما قبل دولة الإخوان المسلمين، أن المطالبة بحق تقرير المصير والانفصال لم يكونا جزءاً من الأجندة السياسية للحركة الشعبية لتحرير السودان، أكبر الفصائل السياسية والعسكرية المناضلة من أجل حقوق السودانيين المهمشين في الجنوب وخارج السودان النيلي الأوسط، وقتها.. كان سقف مطالب الحركة الشعبية في اتفاقية الميرغني قرنق 1988، هو مؤتمر دستوري يؤسس لسودان جديد، قائم على المواطنة المتساوية والتنمية المتوازنة والهوية الجامعة، لكن استبق الإخوان المسلمون موعد انعقاد المؤتمر الدستوري بانقلاب 1989، وفور وصولهم للحكم أعلنوا الجهاد الحربي على أهل جنوب السودان، ليفرضوا عليهم مشروعهم لـ(الأسلمة والتعريب) المسمى المشروع الحضاري، وعندما فشل الجهاد الحربي لعشرين عاماً من تحقيق أي هدف أمام صمود أهل الجنوب، فصلت الحركة الإسلامية جنوب السودان، بحجة أنه كان أبعد مما يمكن استيعابه في النصوص النفسية والفكرية والسياسية لبقية السودانيين، على حد كلمات نائب أمين عام الحركة الإسلامية وقتها.. وقبل فصل الجنوب كانت الحركة الإسلامية قد طورت أيضاً استراتيجيتها للحكم لبقية السودان، وذلك في وثيقة شهيرة عرفت بـ(مثلث حمدي).. مضمون هذه الاستراتيجية أن (حواضن) الحركة الإسلامية (الحقيقيين) موجودون في مثلث جغرافي رأسه مدينة دنقلا، وتمتد أضلاعه معها إلى الأبيض وسنار.. وإن على الحركة أن تركز دعوتها وجهدها التنموي على هذا المثلث، ولا تبدد طاقاتها خارجه، بل وأن تتخلص منهم إن أصبحوا عبئاً عليها.. وهو ما تحقق مع جنوب السودان..
ويمضي “مادبو” : اليوم، وبرغم كل الحجج التي تدعي العكس، يعود الإخوان المسلمون لنفض الغبار عن استراتيجة (مثلث حمدي)، بعد أن أصبحت دارفور، في تصورهم، عبئاً على مشروعهم للعودة إلى السلطة والحكم الأبدي.. وكما يعلم الجميع نشطت دوائرهم الإعلامية خلال هذه الحرب في تغذية بطارية الصراع بخطاب العنصرية والكراهية ضد إنسان دارفور وكردفان، ونتج عن ذلك صناعة خطاب تحريضي ضد مكونات غرب السودان، بهدف تحقيق تطلعاتهم في فصل ذلك الجزء من الوطن. تتركز استراتيجية الإسلاميين من خلال قصف الطيران الممنهج للمواطنين، لانتزاع رغبتهم في الانفصال، وتحقيق استراتيجيتهم في جعل الأمر يبدو من أهل دارفور قرارا مصيريا ضد البقاء في السودان موحدا ولذلك هم يستهدفون المواطنين في الاساس، بغرض تفجير كوامن الغضب والتفكير جليا في الانفصال، تقوم سياسة الاخوان عبر القصف الجوي كذلك بالتركيز على المجموعات السكانية من غرب السودان، في مدن خارج جغرافية دارفور مثلما يحدث لمناطق جنوب الحزام، امبدات، سوق ليبيا والعزبة، وذلك ياتي في سياق ابادة هؤلاء على اساس التنميط الاجتماعي والثقافي.
خــروج
خطوات الإسلاميين وإن صدقت نواياها، ربما تصطدم بخيارات الدارفوريين تجاه سودان موحد، على طريقة القائد الدكتور جون قرنق دمبيور، الذي ذهب بأحلامه التي أتضح على طاولات (نيفاشا) أنها كانت تخصه وحده، الحديث الآن عن رؤية انفصالية حسب الاستطلاعات لا تمضي في أتجاه أهواء الانفصاليين، بل سودان موحد.. فهل تهطل غمامة حرب الخامس عشر من أبريل على السودانيين بأمطار السلام والوحدة..؟ أم سيمضى السودان في أتجاه التقسيم..؟



