
يَطُوقُني خَوْفُهُمْ لا خَوْفِي
وَيَبْنُونَ سِجْنًا لأوهامِهِمْ
أنَا الحُرُّ حِينَ أَقُولُ الحَقِيقَةَ
و السِّجْنُ ليسَ سِوَى ظِلِّهِمْ
— محمود درويش
من يراقب انحدار الممارسة السياسية السودانية لا يملك إلا أن يضحك بمرارة أمام هذه النمطية التي تمثلها ندى القلعة
خالد ابو رهف و كبيرهم مبارك أردول الرجل اختار أن يلعب دور وكيل الجلابي المتاجر بقضايا الهامش ودماء ضحاياه ثم توهّم أن التهديد بورقة مروسة صادرة من دكان في سوق القضارف كفيل بإرهاب خصومه وإسكات أصواتهم
تجلّت بساطة تفكير أردول وغباؤه السياسي في أبهى صورها حين وقع في هذا العبط الإجرائي المضحك وهي بساطة ليست وليدة المصادفة بل تعود جذورها إلى خلفيته السلفية والدينية المبكرة في حلقات أنصار السنة المحمدية تلك التنشئة التي صاغت وعيه وضمرت لديه ملكات التفكير التفكيكي والعميق فالمذهب السلفي ببنيته التلقينية يُعوّد مريديه على الإجابات المعلبة وإلغاء إعمال العقل والتحليل الفردي مع الاتكال الكامل والتسليم التبسيطي دون إدراك لتعقيدات الواقع وأدواته الحديثة وكأن العقل لم يُخلق ليفكروا به هذا الغباء السلفي المحنط لم يفارق منهج أردول حتى بعد أن خلع الجلباب واستبدل به شعارات الحركة الشعبية إذ ظل يحمل ذات العقلية النقيلة التي تظن أن المشاكل تُحل بالشعوذة والشكليات المظهرية والحلول الظاهرية
كيف لرجل كان مديراً عاماً لشركة الموارد المعدنية بمكانة وزير ودار في أروقة الدولة أن يظن بوعيه السلفي التبسيطي أن محامياً محلياً لا يملك حتى بريداً إلكترونياً وتغلق الأوحال طريق دكانه قادرٌ بضغطة زر على تحريك قضايا عابرة للقارات في فرنسا وألمانيا وأستراليا
نحن هنا أمام دكان بدائي وسط وحل سوق القضارف في عمارة النيابة لا يملك صاحبُه حساباً رقمياً ولا بريداً إلكترونياً من طراز (Gmail) أو (Hotmail) ناهيك عن موقع إلكتروني ويتوسل التواصل الإداري عبر رسائل الواتساب التي تنتظر عودة الرصيد ومع ذلك يخرج علينا هذا المكتب بلسان محاميه الذي يحمل لقب الفيل (وهو اللقب التراثي الشهير في الثقافة الشعبية لإطلاق اسم الضخامة على الضعف كإطلاق أب عضل على الضعيف والشريف على الفاسد) ليعلن أنه بصدد التنسيق الفوري مع شركات محاماة في باريس وبرلين وسيدني لملاحقة النشطاء والكُتّاب
هذا الغباء المركّب يقطع بوضوح أن الرجل لا يفقه شيئاً عن القوانين الدولية ولا عن حرية النقد السياسي بل يُسقط بساطة وعيه المحلي والسلفي على الفضاء العالمي في أستراليا مثلاً يُعد نقد المسؤولين والشخصيات العامة حقاً مشروعاً ومحمياً بالدستور حيث يُعرض المسؤولون التنفيذيون شهرياً لـ مسح جوخ ونقد علني حاد في قلب الشوارع دون أن يجرؤ أحد على التهديد ببلاغات كرتونية
يتوهم لص المعادن أن التهديد بالاعتقال أو الملاحقة القضائية عند العودة إلى بورسودان سيده عبد الفتاح البرهان تاجر الرقيق قاتل النوبة أو في أستراليا نفسها قد يثير الرعب في نفوس من اختبروا زنازين النظام ومرار الملاحقة لقد نسى الفاسد الذي سخر أموال الدولة لتمويل انقلاب 25 أكتوبر والشراكة فيه وهو الانقلاب الذي سقط بسببه عشرات الثوار الأبرار أن التاريخ لا يرحم
إن سنوات السجن والمعتقلات وغرف التعذيب التي قضاها أحرار هذا الشعب في مواجهة الاستبداد تتجاوز بأضعاف مضاعفة الساعات التي قضاها هذا السلفي التائه في حلقات أنصار السنة قبل أن يمتطي موجة الحركة الشعبية ثم ينتهي به المطاف مكلفاً بجمع الجبايات في أسواق المعادن لصالح سيده الجلابي حتى ولو كان ذلك على حساب دماء أهله وأشلائهم
إذا كنا نخاف من البلاغات والسجون ما كنا وقفنا في وجه إخوانك الإسلاميين وتمردنا عليهم بكل الوسائل منذ أن كنتَ يافعاً وأنا الآن شيخاً
لكن المضحك المبكي هنا هو محاولة أردول البائسة تغطية جرائم أكبر بكثير من مجرد التهديد ببلاغ كرتوني؛ إن بيع البرهان وشراكة مبارك أردول الفاسد ليسا مجرد صفقات تجارية بل هما بيع صريح لدماء الأبرياء عبر حماية وتغطية أنشطة شركات التعدين في شمال الوادي تلك الجرائم التي دفع ثمنها المدنيون والمعدنون البسطاء من حياتهم ودمائهم هي حقيقة ثابتة لا يمحوها الصراخ القانوني ولا التهديد بالملاحقة إن هذه الشراكة الدامية ليست سوى جريمة كبرى يريد أردول وأسياده صرف الأنظار عنها عبر اختراع معارك وهمية وبلاغات في أستراليا وأوروبا لكنه يتناسى أن دماء الأبرياء ليست بضاعة تُباع وتُشترى في سوق النخاسة السياسية وأن محاولة لفت الانتباه بعيداً عن هذه الكارثة لن تنجح في طمس جرائم لا تغتفر ولا تسقط بالتقادم
إن البيان الصادر من مكتب القضارف ليس سوى وثيقة إفلاس مضحكة محاولة بائسة لصناعة هيبة قانونية متخيلة عبر استخدام ألقاب ضخمة لستر الهوان وحين تتكشف الحقيقة لا يتبقى من الفيل سوى ظله المكتوب على ورقة مروسة ولا من المراهقة السياسية والغباوة السلفية سوى أنهما مرضٌ لا شفاء منه



