مقالات واراء

نحو تسوية سياسية مستدامة في السودان دراسة في الفجوات الخمس المعيقة للتسوية والحوار الوطني

د. الوليد آدم موسى مادبو

الملخص التنفيذي

لم تعد معادلة السلطة في السودان، بعد اندلاع الحرب في أبريل ٢٠٢٣، قابلة للفهم بأدوات ما قبل الحرب، ولا قابلة للاختزال في توازن عسكري بين طرفين. تخلص هذه الدراسة إلى أن أي تسوية سياسية مستدامة تصطدم بخمس فجوات بنيوية متسلسلة — لا متجاورة — يُنتج بعضها شروط بعض:

• فجوة الشرعية: تحوّل السيطرة الميدانية إلى بديل زائف عن مشروعية سياسية حقيقية، مع عجز الطرفين عن الإجابة عن سؤال الترميم مقابل البناء الجديد.
• فجوة الوساطة والانكشاف الإقليمي: غياب وسيط محايد يُبقي التسوية رهينة تضارب مصالح رعاة إقليميين ينتمي إليهم طرفا الحرب أنفسهما.
• فجوة الرؤية الاستراتيجية: لا طرف سوداني رئيسي يملك مشروع دولة متكامل مستقل عن حساب البقاء الضيق أو الرعاية الخارجية.
• فجوة المأسسة: غياب الأطر الوسيطة التي تمتص الاحتقان السياسي وتحوّله إلى منافسة منضبطة بدل انفجار هوياتي.
• فجوة المناخ الاجتماعي: انحصار كل مسارات التفاوض في ضمانات النخب دون فتح مجال اجتماعي حقيقي يشمل المواطن العادي.
والحجة المركزية لهذه الدراسة أن هذه الفجوات تعمل كسلسلة سببية: غياب الشرعية المشتركة يدفع الطرفين نحو الاعتماد الإقليمي، والاعتماد الإقليمي يُعفيهما من بلورة رؤية مستقلة، وغياب الرؤية يُبقي إدارة الخلاف رهينة الانفعالية بدل المؤسسات، وهذا الأخير يجعل من إغلاق المجال الاجتماعي استراتيجية بقاء عقلانية لكل طرف لا عائقاً عابراً.

نقطة محورية للحوار الوطني
أي تفكير جاد في حوار وطني يُفضي إلى حل حقيقي للأزمة السودانية لا يجوز أن يتعامل مع هذه الفجوات الخمس كقائمة اختيارية أو كملفات منفصلة تُعالَج الواحدة تلو الأخرى. فمعالجة فجوة واحدة بمعزل عن البقية — ضمانات شخصية للنخب دون فتح المجال الاجتماعي، أو وساطة جديدة دون معالجة غياب الرؤية، أو صيغة توافقية دون ضمانات مؤسسية تمنع تأبيدها — تنتج تسوية شكلية سرعان ما تصطدم بالفجوة التي أُغفلت. استحضار الفجوات الخمس مجتمعة، والتعامل معها كمنظومة مترابطة لا كبنود منفصلة، هو الشرط الأول لأي حوار وطني يطمح إلى نتيجة مستقرة لا إلى تسوية عابرة قابلة للانهيار عند أول اختبار جدي للسلطة.

مقدمة

منذ اندلاع الحرب في أبريل ٢٠٢٣، تغيّر مركز الثقل الجغرافي والديموغرافي للسلطة في السودان، وانهارت الشرعية الأخلاقية لمنظومة الحكم القديمة، وتبدلت موازين القوى العسكرية والسياسية بما يجعل استدعاء نماذج تفاوضية سابقة قاصراً عن الإحاطة بالواقع الجديد. تعرض هذه الدراسة تحليلاً لخمس فجوات بنيوية متداخلة تشكل، مجتمعة، جوهر استعصاء التسوية السياسية الراهنة، وتنتهي بخلاصة تُعيد تركيز هذه الفجوات في إطار عملي واحد.

وقبل الخوض في هذه الفجوات، تجدر الإشارة إلى أن اندلاع الحرب نفسه لم يكن نتاج تدخل إقليمي واحد بعينه، بل حصيلة تنافس بين الجهات الإقليمية والدولية وتضارب مصالحها، تزامن مع غياب النضج السياسي والدبلوماسي الكافي لدى الجهاز التنفيذي السوداني آنذاك، وتربص عناصر الدولة العميقة بالتجربة الانتقالية الوليدة. هذا التشابك بين عوامل خارجية وداخلية هو الخلفية التي تصعّب على أي تحليل لاحق اختزال الأزمة في سبب واحد أو طرف واحد، وهو ما ستحاول الفجوات الخمس التالية تفكيكه بمزيد من التفصيل.

المحور الأول: فجوة الشرعية والجغرافيا

١-١ من مركز ثقل واحد إلى مراكز ثقل متعددة

لم يعد صحيحاً الحديث عن “انتقال” مركز الثقل من الخرطوم إلى جهة واحدة بديلة، بل عن تفتته إلى مراكز ثقل متعددة (multiple loci of power) لا مركز واحد يخلف آخر. فبحكم الكثافة السكانية والموارد والمقدرات القتالية، باتت هناك “دولة” ذات جغرافيا وأرض في نيالا يقودها تحالف تأسيس بقيادة الدعم السريع، تقابلها سلطة الجيش المتمركزة شرقاً في بورتسودان بعد خروجها الفعلي من الخرطوم، إضافة إلى مراكز نفوذ أصغر لكنها فاعلة كمناطق سيطرة الحركة الشعبية-شمال في النيل الأزرق وجبال النوبة. هذا التعدد يعني أن استدعاء طرف واحد — أياً كان — للحوار لن يحسم اتجاه المسار السياسي، إذ لم يعد هناك مركز واحد يمثل السلطة السودانية بديلاً عن آخر، بل شبكة مراكز متوازية يملك كل منها شرعية أمر واقع محلية دون أن يملك أي منها تفويضاً وطنياً جامعاً.

غير أن هذا الترسيخ الجغرافي والمؤسسي لدى أبرز هذه المراكز — الذي تجلى في مجلس أقاليم ومجلس عدلي ومحاولات إنشاء بنك مركزي ونظام مصرفي موازٍ في نيالا — يجري تحت ضغط عسكري متصاعد ومستمر، ما يجعل “تثبيت” أي من مراكز الثقل الجديدة بعيداً عن الاكتمال، وينتج مفارقة جوهرية: سيطرة ميدانية متنازع عليها لا تكفي وحدها لبناء شرعية سياسية، وتعدد مراكز الثقل نفسه يجعل أي تسوية ثنائية بين طرفين فقط قاصرة عن استيعاب خريطة القوى الفعلية على الأرض.

١-٢ أزمة الشرعية المزدوجة

فقدت الدولة القديمة — بصورتها الشوفينية الصارخة — شرعيتها الأخلاقية وبالتبعية فاعليتها، لكن هذا لا يعني تلقائياً أن الطرف المقابل اكتسب شرعية بديلة جاهزة بمجرد امتلاك الأرض. السؤال الحاسم إذن ليس عسكرياً بل وجودياً: هل نحن أمام ترميم لدولة متآكلة، أم بناء دولة جديدة من الصفر؟

والمفارقة أن كلا الطرفين يخوض هذا السؤال دون إجابة عليه: الجيش يتصرف كأن الشرعية القديمة ما زالت قائمة رغم تآكلها، وتأسيس يتصرف كأن السيطرة الميدانية تصنع شرعية بديلة تلقائياً. النتيجة سباق بين طرفين ناقصي الشرعية على ملء فراغ، لا إحلال طرف شرعي محل آخر فاقد للشرعية.

الخلاصة الجزئية: هذا الفراغ المزدوج هو بالضبط ما يدفع الطرفين للبحث عن مصدر شرعية أو غطاء بديل خارج الداخل السوداني — أي نحو المحور التالي: فجوة الوساطة والانكشاف الإقليمي.

المحور الثاني: فجوة الوساطة والانكشاف الإقليمي

٢-١ غياب وسيط ناضج: الفرصة السعودية الضائعة

يفتقر المشهد إلى وساطة تجمع بين النضج الفكري والأخلاقي والمقدرة المالية. كانت السعودية مؤهلة من حيث المبدأ للعب هذا الدور بحكم جوارها الجغرافي وعلاقاتها الأزلية بالسودانيين — علاقات تجارية وقرابية ودينية تمتد لقرون لا تضاهيها علاقة أي طرف إقليمي آخر بهذا العمق. كان من المفترض أن تستثمر هذا الرصيد باتخاذ موقف مستقل عن مصر، وأن تنأى بنفسها عن الانجرار إلى منطق فعل النكاية بالإمارات، لتقدّم وساطة تتأسس على استقرار السودان لا على موازين التنافس بين القاهرة وأبوظبي والرياض. غياب هذا الاستقلال — بصرف النظر عن أسبابه — حوّل السعودية من وسيط محتمل ذي رصيد فريد إلى طرف يُقرأ موقفه ضمن شبكة التحالفات الإقليمية المتضاربة ذاتها التي تعيق التسوية أصلاً.

٢-٢ الانكشاف الإثيوبي-المصري وأثره على السودان

الجيش السوداني نفسه بات أسيراً لمعادلة تاريخية تربط النخب العسكرية الشمالية بالجارة المصرية، تحدّ من هامش مناورته تجاه أديس أبابا وتجعل أي انفتاح سوداني-إثيوبي مستقل عن القراءة المصرية أمراً بالغ الصعوبة. في المقابل، يمر آبي أحمد بمسار داخلي متسارع لتركيز السلطة عقب انتخابات يونيو ٢٠٢٦، عبر حوار وطني يُرجَّح أن يُبقي الشكل الفيدرالي قائماً صورياً بينما تنتقل السلطة الفعلية إلى المركز.

واللافت أن حصول آبي أحمد المرتقب على سلطات دستورية وتنفيذية عليا قد يمنحه تحديداً القدرة على التوصل إلى تسوية مع الأمهرا تُفسح له المجال لاحقاً لسحق تيغراي: فمطلب الأمهرا ليس أساساً حصة أكبر في السلطة المركزية، بل اقتناص فرصة التمدد نحو مساحات واسعة (يُقدَّر بعضها بنحو مليون فدان) في شرق السودان، مستغلين ضعف الجيش السوداني الراهن. تسوية من هذا النوع تُحوّل الأمهرا من خصم محتمل إلى حليف ظرفي، وتُفرغ آبي لحسم الجبهة الشمالية دون قلق من جبهة داخلية ثانية مشتعلة في الوقت ذاته.

غير أن هذه القراءة تصطدم بمعطى راهن يستحق التوقف عنده: التقارب اللافت الحاصل حالياً بين الأمهرا وتيغراي — خصمي الأمس — ضد الحكومة المركزية حول قضايا دستورية جوهرية يعني أن مسار “تسوية مع الأمهرا تمهّد لسحق تيغراي” ليس مضموناً بل يتنافس مع مسار مضاد. كما أن إقليم الأمهرا نفسه يشهد تمرداً مسلحاً (ميليشيات فانو) ضد الحكومة الاتحادية منذ ٢٠٢٣، وهو ما يعني أن أي طموح أمهري للتمدد شرق السودان قد لا يكون بالضرورة مشروعاً منسقاً مع أديس أبابا حتى لو تحققت تسوية رسمية، بل فعلاً شبه مستقل غير خاضع فعلياً لسلطة الدولة — وهذا أخطر من صفقة رسمية لأنه غير قابل للمساءلة عبر أي قناة دبلوماسية.

هذا التشظي الداخلي الإثيوبي يحمل انعكاسات مباشرة على السودان تتجاوز ملف الحدود الشرقية: موجات لجوء جديدة نحو أراضٍ سودانية هشة أصلاً، وتدفقات سلاح غير رسمية عبر حدود طويلة ضعيفة الرقابة، واحتمال أن يتحول شرق السودان إلى امتداد لصراع داخلي إثيوبي لا طرف مركزي — سوداني أو إثيوبي — قادر على ضبط إيقاعه بالكامل.

وتزداد المخاطر تصاعداً إن استمر تعنت البرهان في رفض أي تسوية مع آبي أحمد؛ فهذا التعنت، كسيناريو محتمل لا نتيجة حتمية، قد يدفع أديس أبابا إلى إيجاد بديل عملي في التعاون مع الدعم السريع، وهو تقارب قد يفتح للأخير مساراً للاستحواذ على إقليم النيل الأزرق وبالتبعية التأثير على خزانات سد الروصيرص. مثل هذا التطور، في ظل التوتر القائم أصلاً بين القاهرة وأديس أبابا حول سد النهضة، يحمل احتمال تصعيد إقليمي أوسع بين مصر وإثيوبيا يجد فيه السودان نفسه ساحة صراع بالوكالة لا طرفاً فاعلاً.

٢-٣ ضرورة الدبلوماسية الحصيفة

ثمة تناظر بين إخفاق بعض الجهات الإقليمية والجيش السوداني باعتباره الجهة الرافضة للتفاوض، إذ فشل كلاهما لأسباب مختلفة في فك الارتباط بمنطق المحاور الإقليمية الجاهزة لصالح حساب سوداني مستقل. لكن هذا لا يبرر خيار القطيعة مع هذه الأطراف، بل يفرض عكسه: لا مناص من تعامل دبلوماسي حصيف ومتوازن مع هذه التوترات والتدخلات الخارجية ذاتها، فالإمارات ومصر والسعودية كانت أطرافاً مؤثرة في مسار الحرب واستمرارها عبر الدعم المباشر أو غير المباشر ومصالحها المتضاربة، أما إثيوبيا فلم تكن سبباً في اندلاع الحرب، لكنها تبقى — بحكم الجوار والملفات المشتركة كالنيل الأزرق وسد النهضة — طرفاً قادراً على التأثير في مسارها ومآلاتها. وهذه الأطراف مجتمعة هي في الوقت نفسه الجهات الوحيدة التي يُعوَّل عليها فعلياً في وقف الحرب. هذه المفارقة لا تُحل بالمقاطعة، بل بدبلوماسية سودانية واعية توظّف تضارب مصالح هذه الأطراف لصالح تسوية وطنية.

الخلاصة الجزئية: الانكشاف الإقليمي المزمن يفسّر جانباً من المحور التالي: فالأطراف السودانية التي اعتادت الاتكاء على غطاء خارجي لم تجد حافزاً كافياً لبلورة رؤية سياسية مستقلة خاصة بها.

المحور الثالث: فجوة الرؤية الاستراتيجية

٣-١ لماذا لا يتكرر نموذج ميشاكوس

مقارنة السودان بنموذج ميشاكوس — وهو استحضار توضيحي لا حصري — تكشف فارقاً جوهرياً في بنية الأطراف لا في الظروف فحسب: تفاوضت هناك جبهة متجانسة نسبياً (الحركة الشعبية) مع دولة شمالية متماسكة تملك هيمنة راسخة على قطاعات واسعة من الجنوب. أما اليوم فالجيش فقد المقدرة العسكرية الحاسمة والإرادة المهنية الموحدة، بينما يمثل الدعم السريع تحالفاً من مجموعات غير متجانسة عرقياً وسياسياً توحّدها مظلومية مشتركة تجاه المركز أكثر مما يوحّدها مشروع سياسي متفق عليه. مفاوضات بين طرفين هشّين بهذا الشكل تنتج عادة تسويات هشة أو تقسيماً فعلياً، لا عقداً سياسياً جديداً وراسخاً.

٣-٢ غياب رؤية بلورية لدى “تأسيس”

لم يبلور تحالف “تأسيس” بعد رؤية سياسية استراتيجية متماسكة، بل يعتمد على صيغة فضفاضة فرضتها ضرورة التوافق التكتيكي مع الحركة الشعبية-شمال. هذه الصيغة — دولة علمانية ديمقراطية فيدرالية — استُعيرت أساساً من إرث “السودان الجديد” لدى الحلو وقرنق، ولم تنبت عضوياً من تجربة سياسية للدعم السريع وحواضنه في دارفور. النتيجة ازدواجية بين خطاب علماني تعددي متماسك في القمة السياسية، وبنى ولاء عشائرية وعسكرية في القاعدة انخرطت في الحرب بدافع مظالم مركزية ملموسة لا بمشروع أيديولوجي. هذه الفجوة هي عينها ما أسقط تجربة قوى الحرية والتغيير عام ٢٠١٩ عند أول اختبار حقيقي للسلطة، ويضاعف هشاشتها غياب رؤية واضحة للعدالة الانتقالية حيال انتهاكات موثقة.

يمتد قصور الرؤية إلى الحقل الإقليمي أيضاً: لم يعمل تأسيس على بلورة رؤية استراتيجية خاصة تمنحه هامش مناورة إقليمية مستقلاً، بل بقي مرتهناً إلى حد بعيد لمظلة الدعم الإماراتي دون قنوات موازية تفتح بدائل، ما يجعل مصيره السياسي مرتبطاً بحسابات أبوظبي أكثر من ارتباطه بمشروع سوداني مستقل.

٣-٣ معضلة نخب المركز: “صمود” وشبيهاتها

والإنصاف يقتضي القول إن هذا القصور ليس حكراً على تأسيس. فنخب المركز التقليدية، من طراز “صمود” وشبيهاتها، تعاني الخلل ذاته من الجهة المقابلة: تسعى إلى معادلة “قدر كافٍ من التغيير” (good enough) يُبقيها في اللعبة السياسية دون أن يستبعدها، وترفض ضمنياً أي تغيير جذري يزيحها فعلياً عن المشهد، رغم افتقارها إلى الوزن الفكري والجماهيري والخبرة التنفيذية والحكمة السياسية اللازمة لتبرير هذا الموقع. لا يوجد إذن طرف سوداني رئيسي واحد اليوم يملك رؤية دولة متكاملة قابلة للتفاوض عليها بمعزل عن مصالح راعٍ إقليمي أو حساب بقاء ضيق.

الخلاصة الجزئية: إذا لم يتفق الطرفان على رؤية دولة، فبأي آلية تُدار الخلافات بينهما مؤقتاً دون أن تنفجر؟ هنا تحديداً تبرز فجوة المأسسة.

المحور الرابع: فجوة المأسسة

٤-١ إطار نظري: المأسسة مقابل الانفعالية

لا توجد اليوم مؤسسات مدنية أو سياسية راسخة تحمل تجربة ديمقراطية ليبرالية مباشرة، وهو ما يطرح ضرورة نظام يؤطر لمرحلة توافقية انتقالية. ويمكن تفسير هذه الضرورة عبر إطار نظري يُنسب إلى عالم السياسة الأميركي صمويل هنتنغتون، الذي طرح في كتابه المرجعي “النظام السياسي في المجتمعات المتغيرة” (Political Order in Changing Societies، ١٩٦٨) فكرة أن استقرار أي مجتمع لا يُقاس بشكل الحكم بل بدرجة المأسسة فيه، وأن الأزمات تنشأ حين تتجاوز وتيرة التعبئة والمشاركة السياسية (وهو ما نصطلح عليه هنا بالانفعالية) قدرة المؤسسات القائمة على استيعابها.

وعلى هذا الأساس ثمة علاقة عكسية بين مستوى المأسسة (institutionalism) ومستوى الانفعالية السياسية (emotionalism): كلما ارتفعت المأسسة — أحزاب راسخة، قضاء مستقل، جيش محايد مؤسسياً، إعلام منظم — انخفض احتمال أن تتحول الخلافات إلى انفجارات هوياتية، لأن المؤسسات تمتص الاحتقان وتحوّله إلى منافسة داخل قواعد معروفة. والعكس صحيح: كلما انخفضت المأسسة، ارتفع منسوب الانفعالية، فتُحسم الخلافات عبر الغضب الجمعي والمظلومية التاريخية والولاء العرقي أو الجهوي المباشر.

٤-٢ السودان: مأسسة منخفضة، انفعالية مرتفعة

السودان اليوم حالة كلاسيكية لهذه المعادلة: الأحزاب التقليدية منهكة الشرعية، الجيش والدعم السريع كلاهما فاعل مسلح لا مؤسسة محايدة، والحرب ذاتها راكمت طبقات من المظالم والانتقام الجهوي والعرقي في دارفور والنيل الأزرق ووسط السودان لا تحتمل انفتاحاً فورياً على تنافس ديمقراطي ليبرالي مباشر. من هنا تبرز فكرة “الحزب الواحد التوافقي” لا كخيار أيديولوجي بل كأداة مؤقتة تمتص الانفعالية العالية وترفع تدريجياً مستوى المأسسة، قبل فتح الفضاء لتعددية ليبرالية كاملة.

غير أن هذا الطرح يحمل مفارقته الخاصة: في غياب توازن قوى حقيقي وضمانات مؤسسية (كوتات، قضاء دستوري مستقل فعلياً، آجال زمنية ملزمة)، فإن نفس المنطق الذي يبرر الحزب الواحد التوافقي كجسر مؤقت، يمكن تسليحه خطابياً لتبرير تجميد الفجوة ذاتها إلى أجل غير مسمى.

الخلاصة الجزئية: حتى الترتيبات المؤسسية الأفضل تصميماً تبقى مشروعاً نخبوياً ما لم تقترن بانفتاح موازٍ على مستوى المجتمع نفسه — وهنا تكمن الفجوة الخامسة والأخيرة.

المحور الخامس: فجوة المناخ الاجتماعي

٥-١ ما وراء ضمانات النخب

ما يعطل التقدم نحو تسوية سلمية ليس فقط غياب الضمانات الشخصية للسياسيين والناشطين، بل غياب مناخ أوسع يشمل وضعاً أمنياً يسهّل تنقل المواطنين بين مناطق السيطرة، وفرصاً حقيقية لنقاش حر بين المواطنين أنفسهم عبر خطوط التماس. كل مسارات التفاوض منذ جدة (مايو ٢٠٢٣) ركّزت على “الممر الآمن” للنخب دون أن تخلق هذا المناخ بمعناه الأعمق؛ فالمواطن العادي بين الخرطوم ونيالا، أو بورتسودان والفاشر، يعيش انقساماً معيشياً فعلياً — نقاط تفتيش، اقتصادات موازية، عملات وأنظمة مصرفية متعارضة — يعيد إنتاج الانقسام السياسي يومياً بمعزل عمّا يُوقَّع على طاولة التفاوض.

٥-٢ مصلحة متبادلة في إدامة الانقسام

والأخطر أن كلا الطرفين له مصلحة موضوعية في إبقاء الانقسام المجالي مغلقاً: الجيش لأن فتح الممرات يُشرعن سيطرة الدعم السريع على الأرض، والدعم السريع/تأسيس لأن الانفتاح يهدد احتكاره الاقتصادي الناشئ الذي يحتاج حدوداً واضحة ليعمل. أي مبادرة “مُيسِّرة” حقيقية تصطدم إذن بمصلحة اقتصادية-سياسية متبادلة في إدامة الانفصال، لا بانعدام الثقة وحده. وهذه الفجوة تتغذى مباشرة من فجوة المأسسة: فحيث تغيب المؤسسات الوسيطة، يصبح إغلاق المجال الاجتماعي أداة بقاء عقلانية لكل طرف، لا مجرد نتيجة عرضية للحرب — وهي بذلك تُغلق الحلقة على الفجوات الأربع السابقة بدل أن تكون عائقاً تقنياً منفصلاً عنها.

الخلاصة العامة

تشعّب هذا التحليل عبر خمسة محاور وتسعة عناصر فرعية، وهو تشعّب ضروري لفهم تعقيد الأزمة، لكنه قد يُضيّع على القارئ الخيط الناظم إن لم يُعَد تجميعه في خلاصة واحدة مركّزة. جوهر الدراسة يتلخص في فكرة واحدة: الفجوات الخمس ليست قائمة عوامل متجاورة يمكن معالجة كل منها بمعزل عن الأخرى، بل سلسلة سببية محكمة الحلقات:

• فجوة الشرعية: سباق بين طرفين ناقصي الشرعية على ملء فراغ، لا إحلال شرعية محل أخرى.
• فجوة الوساطة والإقليم: لا وسيط محايد؛ والأطراف الإقليمية سبب الأزمة ومفتاح حلها معاً.
• فجوة الرؤية: لا طرف سوداني يملك مشروع دولة مستقلاً عن البقاء الضيق أو الرعاية الخارجية.
• فجوة المأسسة: غياب الأطر الوسيطة يجعل الانفعالية، لا القواعد، حَكَماً على الخلاف.
• فجوة المناخ الاجتماعي: إغلاق المجال العام مصلحة متبادلة للطرفين، لا عائقاً عرضياً.
والنتيجة العملية لهذا الترابط أن أي تدخل جزئي — ضمانات شخصية دون فتح المجال الاجتماعي، أو وساطة جديدة دون معالجة غياب الرؤية، أو صيغة توافقية دون ضمانات تمنع تأبيدها — سينتج تسوية شكلية سرعان ما تصطدم بالفجوة التي أُغفلت. الاختراق الحقيقي، إن كان ممكناً أصلاً في المدى المنظور، يفترض تدخلاً متزامناً عند أكثر من نقطة في هذه السلسلة، لا معالجة خطية لفجوة تلو الأخرى.

معيار عملي إضافي: أصحاب المصلحة الحقيقيون أولاً

وإلى جانب استحضار الفجوات الخمس مجتمعة، تفرض التجربة معياراً عملياً لا يقل أهمية في تصميم أي حوار وطني جاد: ضرورة ضمان مشاركة أصحاب المصلحة الحقيقيين فيه (real stakeholders) — أي الجهات ذات الثقل السياسي والاجتماعي والعسكري الفعلي على الأرض، لا الثقل الفضفاض أو الرمزي الذي يُكتسب بالحضور الإعلامي أو التاريخي فحسب. فحوار يضم أطرافاً بلا وزن ميداني حقيقي، أو يُسوّي بين ثقلها الفعلي وثقل جهات رمزية لا تملك مقابلاً على الأرض، يُنتج توافقاً شكلياً سرعان ما يصطدم بواقع موازين القوى الفعلية خارج قاعة التفاوض — وهو ما يُغذّي مباشرة فجوة الرؤية وفجوة المأسسة معاً.

وبعد أن يُؤسَّس الحوار على هذه القاعدة الصلبة من أصحاب المصلحة الفعليين، ينبغي أن يتوسع تدريجياً، لا فوراً، ليشمل المجموعات ذات الوزن الفكري والعلمي — من أكاديميين وخبراء وتكنوقراط — لا كبديل عن أصحاب الثقل الفعلي أو منافس لهم على مقاعد التفاوض، بل كرافد لاحق يمنح الحوار عمقاً تحليلياً ورؤية بعيدة المدى يفتقر إليها غالباً من يملكون القوة وحدها دون الأداة الفكرية اللازمة لصياغة مشروع دولة متكامل. هذا الترتيب المرحلي — الثقل الفعلي أولاً، ثم الوزن الفكري رافداً له لا بديلاً عنه — هو ما يمنع الحوار من الانزلاق في اتجاهين متناقضين كليهما ضاران بذات القدر: حوار نخبوي ضيق يكرر أخطاء الاتفاقيات السابقة، أو حوار فضفاض يستدعي كل صاحب رأي دون تمييز فيغرق في الرمزية على حساب القدرة الفعلية على إنفاذ ما يُتفق عليه.

وتبقى النقطة الأخيرة الجديرة بالتذكير: أي حوار وطني يُراد له أن يفضي إلى حل حقيقي لا تسوية عابرة، لا بد أن يستحضر هذه الفجوات الخمس مجتمعة منذ لحظة تصميمه الأولى، لا أن يكتشف الحاجة إليها بعد فشل مسار جزئي آخر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى