مقالات واراء

ما حكاية! هيكلة “تأسيس” بالخارج (1–3)

إيهاب مادبو

بعد التوقيع على الميثاق التأسيسي والدستوري الانتقالي، سادت حالة من الترقب والأمل، حيث توقع الكثيرون أن ينتقل التحالف سريعا من مرحلة التأسيس النظري إلى مرحلة البناء المؤسسي الفعلي، وذلك عبر استكمال هيكلة مؤسساته الداخلية، ومن ثم التوجه نحو بناء أذرعه وتنظيماته بالخارج.

وكان هذا التوقع منطقيا، باعتبار أن اكتمال الهيكل التنظيمي يمثل شرطا أساسيا لتمكين التحالف من أداء دوره الطليعي في تحقيق تطلعات الشعب السوداني.

ولاجدال في أن تجربة تحالف “تأسيس” تُعد من أبرز وأهم التجارب السياسية في السودان الحديث، ليس فقط من حيث تعددية مكوناته، بل أيضا من حيث قدرته على تجميع ما يمكن وصفه بـ”الكتلة التاريخية الحرجة” التي طالما تجنبت النخب السياسية الخوض الجاد في نقاشاتها.

هذه الكتلة، بطبيعتها، تحمل في داخلها إجابات عميقة على الأسئلة الكبرى التي ظلت تؤجج الصراعات والحروب الأهلية في السودان لعقود طويلة، مثل قضايا الهوية، وتقاسم السلطة، والعدالة الاجتماعية، وبناء الدولة على أسس جديدة.

ومن هذا المنطلق، كان من المتوقع بل من الضروري أن يشرع التحالف، عقب إعلان هياكله وتسميتها، في بناء مؤسساته خارج البلاد، باعتبار أن هذا الامتداد الخارجي لا يمثل ترفا تنظيميا، بل ضرورة استراتيجية.

فدستور السودان التأسيسي قد نص بوضوح على إعادة بناء الدولة السودانية على أسس جديدة، ومن باب أولى أن تنعكس هذه الرؤية على بنية التحالف نفسه، داخليا وخارجيا، ليكون نموذجا مصغرا لما يدعو إليه، لذلك فإن عملية بناء مؤسسات التحالف في الخارج تكتسب أهمية مضاعفة لعدة أسباب.

أولاً أن الطبيعة، كما يُقال، لا تحتمل الفراغ؛ فغياب التنظيم الفاعل يفتح الباب أمام المبادرات الفردية غير المنضبطة، أو محاولات الاختراق من جهات تسعى لتشويه المشروع أو إضعافه. كما أن هذا الفراغ قد يشجع بعض الانتهازيين على تسلق المشهد واستغلال اسم التحالف لتحقيق مكاسب شخصية، وهو ما يهدد مصداقية المشروع برمته.
ثانيا، يسهم الوجود المنظم للتحالف في الخارج في تعزيز التواصل مع الجاليات ومجتمعات اللاجئين السودانيين، التي تمثل رصيدا بشريا وماديا ومعنويا كبيرا، فهذه المجموعات ليست مجرد امتداد سكاني، بل هي فاعل مؤثر يمكن أن يلعب دورا مهما في دعم التحالف، سواء عبر الحشد السياسي، أو التأثير الإعلامي، أو حتى الدعم اللوجستي.

ثالثا، يتيح بناء مؤسسات خارجية قوية للتحالف فرصة الانفتاح على المجتمع الدولي، وبناء علاقات متوازنة مع القوى الإقليمية والدولية، بما يخدم أهداف المشروع الوطني. فالعالم اليوم، بات شديد التعامل مع الكيانات السياسية المنظمة التي تمتلك رؤية واضحة وبرامج قابلة للتنفيذ.

وأخيرا، فإن استكمال البناء المؤسسي للتحالف، داخليا وخارجيا، يعزز من وحدته الداخلية ويحد من الخلافات، إذ يوفر أطرا واضحة للعمل، ويحدد المسؤوليات، ويخلق آليات للمحاسبة والشفافية. فالتنظيم الجيد ليس مجرد هيكل، بل هو ثقافة وممارسة تضمن الاستمرارية والاستقرار.

بناءً على ما سبق، فإن تأخر هيكلة مؤسسات التحالف بالخارج يطرح تساؤلا حول الأولويات، فالمشاريع الكبيرة لا تقاس فقط بنواياها، بل بقدرتها على التحول إلى واقع ملموس، وهذا لن يتحقق إلا عبر بناء مؤسسي متماسك يمتد إلى كل الساحات ذات الصلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى