
“في قلب القارة الإفريقية، وعلى امتداد ما يزيد عن 700 كيلومتراً من السواحل الاستراتيجية على البحر الأحمر، يقف السودان اليوم على مفترق طرق حاسم”.
تحدّ السودان سبع دول – مصر، إريتريا، إثيوبيا، جنوب السودان، تشاد، جمهورية إفريقيا الوسطى، وليبيا – ما يجعله مركزاً جغرافياً بالغ الأهمية يربط شمال القارة بشرقها وغربها، ويفتح نوافذ استراتيجية على مضيق باب المندب وقناة السويس، وهما من أهم شرايين التجارة البحرية في العالم.
لكن هذه الجغرافيا التي تمنح السودان ثقلا دولياً بالغ الأهمية، تحولت بفعل غياب الاستقرار وممارسات النظام القديم الذي يسيطر على حكومة بورتسودان الانقلابية إلى مصدر دائم للتوتر الإقليمي والدولي. فمنذ سنوات، تحولت أراضي السودان إلى ممرات مفتوحة للجماعات الإرهابية والأسلحة والجريمة المنظمة والهجرة غير الشرعية، ما يهدد الأمن الإقليمي ويقوض السلم الدولي.
وفي ظل هذه التحديات، يجب التأكيد على أن السودانيون، ومن لحظة ثورتهم المجيدة في ديسمبر 2018، قد اتخذوا قرارهم الحاسم: لن يخضعوا بعد اليوم لأي حكم عسكري ديكتاتوري، ولن يعودوا إلى هيمنة جماعة الأخوان المسلمين الارهابية التي لفظها الشعب إلى غير رجعة. هذا الرفض التاريخي عبّر عنه تحالف السودان التأسيسي (تأسيس) الذي يضم أكثر (40) حزب سياسي وتجمع مدني ومهني واتحادات لرجال الأموال على رأسها الفصائل الرئيسية للحزبيين الكبيرين في السودان حزب الأمة القومي والحزب الاتحادي الديمقراطي، بالإضافة إلى قوى سودانية مسلحة بما فيها قوات الدعم السريع والحركة الشعبية لتحرير السودان-شمال، تجمع قوى تحرير السودان، حركة العدل والمساواة وتحرير السودان- المجلس الانتقالي، ويعتزم التحالف إعلان حكومة ونظام حكم شرعي وجديد من داخل الأراضي السودانية، حيث وقعت هذه القوى في مطلع هذا العام في العاصمة نيروبي على ميثاق السودان التأسيسي (تأسيس) ودستور انتقالي علماني، الذي يُعد الوثيقة المرجعية لبناء سودان جديد، مدني، علماني، ديمقراطي، ومتصالح مع محيطه، وهو جوهر ما عبرت عنه الشعوب السودانية في نضالها الثوري بما في ذلك ثورة ديسمبر المجيدة 2018.
لا يمكن فهم التحديات الأمنية التي يواجهها السودان والإقليم الآن دون استحضار إرث النظام السابق لتنظيم الأخوان المسلمين في السودان بقيادة عمر البشير، الذي جعل من السودان قاعدة لوجستية وتمويلية للجماعات الإرهابية. فمنذ التسعينيات، احتضنت الخرطوم شخصيات مثل أسامة بن لادن وكارلوس “الثعلب”، وتحولت إلى محطة مركزية لشبكات تنظيم القاعدة وأُتهم النظام في الخرطوم بدعم عدد من العمليات الارهابية للجماعات الاسلامية المتطرفة في شرق أفريقيا.
وبعد تلك المرحلة، وُثّق نشاط لتنظيمات متطرفة مثل داعش وبوكو حرام داخل السودان، وكان بعضها يخطط لعمليات تمتد إلى دول الخليج وغرب إفريقيا. هذه الخلفية تؤكد أن التطرف لم يكن طارئاً، بل مكونًا هيكلياً في نظام الحكم في عهد الإسلاميين، تسنده مؤسسات عسكرية وأمنية مثل القوات المسلحة السودانية وجهاز الامن والمخابرات التي يسيطر عليه تنظيم الأخوان المسلمين.
شرق إفريقيا ليس بمنأى عن هذا الامتداد. ففي الصومال ودول اخرى، ترتبط بعض التنظيمات الإرهابية بشبكات تهريب وتسليح تمر عبر السودان. وفي الساحل وغرب إفريقيا، ازدهرت جماعات مثل “نصرة الإسلام والمسلمين” و”بوكو حرام” على وقع التراخي الأمني في السودان.
الاتحاد الإفريقي ومنظمات إقليمية مثل IGAD وECOWAS تعتبر الخرطوم ضرورية لتحقيق الأمن الجماعي. لكن استيلاء قوى غير شرعية بقيادة جماعة الأخوان المسلمين على السلطة، كما يحدث الآن في بورتسودان، سيحوّل السودان من شريك إلى عقدة أمنية، منخرطة في صراعات إقليمية؛ لأنة سيطرة سلطة الجماعات الاسلامية المتطرفة بقيادة عبد الفتاح البرهان القائد العام للقوات المسلحة السودانية على السواحل السودانية، وتحويل ممر البحر الأحمر الحيوي إلى أداة للمساومة السياسية، تضع الأمن البحري الإقليمي في دائرة الخطر. فبدلًا من التعاون الجماعي لضمان حرية الملاحة، تستخدم بورتسودان موقعها لابتزاز المجتمع الدولي، ولعقد تحالفات وصفقات مشبوهة مع دول منخرطة في صراعات إقليمية ودولية مثل إيران التي تزود بورتسودان بالسلاح والطائرات بدون طيار وغيرها من الدول المثيرة للجدل على حساب المصالح الوطنية السودانية. إن هذه السياسات لا تخدم سوى أجندات ضيقة، وتُدخل السودان في لعبة محاور دولية لا تعود عليه سوى بمزيد من العزلة الدولية. وحدها حكومة مدنية شرعية وديمقراطية قادرة على إعادة التوازن لهذا الملف والتعاون مع الدول المطلة على البحر الأحمر لضمان السلم البحري مثلما بدأت في هذه الملفات حكومة الفترة الانتقالية المدنية بقيادة الدكتور عبد الله حمدوك قبل الانقلاب عليها في اكتوبر 2021.
بعد انقلاب 25 أكتوبر 2021، وإشعال تنظيم الأخوان المسلمين للحرب الشاملة في 15 أبريل 2023، أعادت قوى الإسلاميين تنظيم صفوفها، ووجدت المجموعات الإرهابية التي تقاتل في السودان كجزء من القوات المسلحة السودانية مناخاً ملائماً لإعادة التمركز. بالتوازي، نشطت شبكات الجريمة المنظمة والتهريب والهجرة غير الشرعية، ما وضع السودان في صدارة الدول المصدرة للقلق الأمني في المنطقة. لكل ذلك فإن قيام حكومة مدنية قوية قادرة على ضبط الحدود والتعاون مع أجهزة الأمن الإقليمية والدولية لمكافحة هذه التهديدات بات ضرورة قصوى، وليس ترفاً سياسياً.
كما ان السودان يمتلك موارد هائلة – من الذهب والنفط إلى الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية والموانئ البحرية – تضعه في موقع يؤهله ليكون قاطرة تكامل اقتصادي إفريقي. بتطوير موانئه وربطها بممرات برية إلى غرب ووسط وشرق أفريقيا يمكن أن يحوّله إلى بؤرة تجارية استراتيجية تخدم القارة بأكملها.
تلخيصاً لكل ذلك فإن ما تسعى إليه الشعوب السودانية هو أن يكون سودان المستقبل شريك في الأمن والتقدم لا مصدر تهديد لدول الاقليم والعالم؛ فالسودان، إن خرج من أزمته الحالية بنظام ديمقراطي مستقر، قادر أن يتحوّل من نقطة نزاع إلى محور استقرار وتنمية في الإقليم. فالميثاق الذي يطرحه تحالف السودان التأسيسي (تأسيس) لا يعبر فقط عن رؤية وطنية لبناء دولة علمانية حديثة، بل يترجم احتياجاً إقليمياً ودولياً إلى شريك موثوق يعزز السلم ويقود التنمية.
إن الرهان على ديمقراطية سودانية راسخة والتي يتبناها تحالف السودان التأسيسي (تأسيس) هو رهان على شرق ووسط إفريقيا آمن ومزدهر. العالم ودول الجوار، أمام فرصة تاريخية: إما دعم هذا التحول، أو التعايش مع خطر دائم في قلب القارة تقوده الجماعات الاسلامية المتطرفة في “ثوب القوات المسلحة السودانية”.


