مقالات واراء

اما حكاية ! ما وراء تهديدات واشنطون للبرهان

إيهاب مادبو

المتغير الأبرز في المشهد السوداني خلال الساعات الماضية لم يكن تطوراً ميدانياً أو تحولاً في خريطة العمليات العسكرية، بل جاء في صورة تحول سياسي ودبلوماسي لافت في خطاب أحد أهم أطراف مبادرة الرباعية، وهو الولايات المتحدة الأمريكية.

ففي جلسة الإحاطة المفتوحة لمجلس الأمن الدولي، أعلن كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، أن الجهة التي تعرقل مسار الحل السلمي والهدنة الإنسانية هي الجيش ممثلاً في مجلس السيادة ورئيسه عبد الفتاح البرهان، وهو تصريح حمل دلالات سياسية تتجاوز حدود التعليق الدبلوماسي المعتاد.

وتكتسب هذه التصريحات أهمية استثنائية بالنظر إلى زمانها ومكانها والسياق الذي جاءت فيه، فهي صدرت من على منبر مجلس الأمن، المؤسسة الدولية المعنية بحفظ السلم والأمن الدوليين، وفي توقيت يشهد تصاعداً في الضغوط الدولية الرامية إلى وقف الحرب والتخفيف من آثارها الإنسانية.

كما تزامنت مع الإعلان عن رفض آخر مسودة لاتفاق هدنة إنسانية، الأمر الذي منح الموقف الأمريكي بعداً سياسياً واضحاً، وحوله من مجرد توصيف للأوضاع إلى رسالة مباشرة بشأن الطرف الذي ترى واشنطن أنه يتحمل مسؤولية تعطيل جهود الوساطة الدولية.

وتعكس هذه الرسالة، في جانب منها، تغيراً تدريجياً في المقاربة الأمريكية تجاه الأزمة السودانية، فمنذ اندلاع الحرب، حرصت واشنطن في معظم مواقفها الرسمية على التأكيد أن طرفي النزاع يتحملان مسؤولية استمرار القتال، مع الدعوة إلى وقف إطلاق النار والعودة إلى طاولة التفاوض.

إلا أن تصريحات بولس بدت أكثر تحديداً في تحميل المسؤولية السياسية، إذ وجهت انتقاداً مباشراً للجيش، وربطت استمرار رفض الهدنة بتأثير شبكات الحركة الإسلامية على عملية صنع القرار، بما يعكس رؤية أمريكية تعتبر أن هذا الرفض لا ينفصل عن اعتبارات سياسية وأيديولوجية داخل معسكر السلطة في بورتسودان.

ويشير هذا التحول إلى أن الإدارة الأمريكية ربما باتت ترى أن استمرار التعامل مع الأزمة عبر خطاب متوازن بين الأطراف لم يعد يحقق النتائج المطلوبة، خصوصاً مع تكرار تعثر المبادرات الإنسانية والسياسية.

ومن ثم، يبدو أن واشنطن بدأت في تبني خطاب أكثر وضوحاً يحدد المسؤولية السياسية بصورة مباشرة، في محاولة لزيادة الضغط على الطرف الذي تعتبره قادراً على اتخاذ قرار بوقف العمليات أو تسهيل التوصل إلى هدنة.

كما أن هذه التصريحات لا تبدو منفصلة عن بقية أدوات الضغط التي استخدمتها واشنطون خلال الأيام الأخيرة، فقد تزامنت مع إجراءات اقتصادية وعقوبات جديدة استهدفت كيانات وأفراداً مرتبطين بالجيش، وهو ما يوحي بأن واشنطن انتقلت إلى مرحلة توظيف أدواتها الدبلوماسية والاقتصادية ضمن استراتيجية ضغط متكاملة، تسعى من خلالها إلى دفع الأطراف نحو قبول هدنة إنسانية، واستئناف العملية السياسية، مع الإبقاء على خيار توسيع الضغوط الدولية إذا استمر تعثر جهود السلام.

ومن المرجح أن يكون لهذا التطور انعكاسات على مواقف بقية الشركاء الدوليين والإقليميين المنخرطين في الملف السوداني، إذ غالباً ما تشكل المواقف الأمريكية مرجعاً مهماً في صياغة التحركات داخل مجلس الأمن وفي أوساط الدول الغربية الداعمة لجهود التسوية. كما قد يدفع هذا الخطاب بعض الوسطاء إلى إعادة تقييم آليات التفاوض، والانتقال من الاكتفاء بالدعوات العامة إلى ممارسة ضغوط أكثر تحديداً على الجهات التي يُنظر إليها باعتبارها تعرقل التوصل إلى اتفاق.

وفي المقابل، يضع هذا التحول قيادة الجيش أمام معادلة أكثر تعقيداً، فاستمرار رفض الهدنة قد يفضي إلى تصاعد الضغوط السياسية والدبلوماسية والاقتصادية، وربما إلى مزيد من العزلة الدولية، بينما قد يثير القبول بها تحديات داخلية تتعلق بتوازنات القوى داخل المعسكر المؤيد للجيش، وبالعلاقة مع التيارات الإسلامية التي يُعتقد أنها تتمتع بنفوذ داخل دوائر صنع القرار.

كما أن استمرار الحرب في ظل هذا المناخ الدولي قد يزيد من كلفة الصراع على المستويين الإنساني والاقتصادي، في وقت تتزايد فيه الدعوات الدولية لتسهيل وصول المساعدات الإنسانية وحماية المدنيين، وهو ما يجعل أي طرف يُنظر إليه باعتباره معطلاً لهذه الجهود عرضة لمزيد من الضغوط السياسية والإجراءات العقابية.

وعلي ضوء هذه التطورات، تبدو الرسالة الأمريكية أكثر وضوحاً من أي وقت مضى وهي إن كلفة تعطيل مسار السلام ستزداد تدريجياً، وإن المجتمع الدولي، وفي مقدمته واشنطن، بات يميل بصورة أكبر إلى تحديد المسؤولية السياسية عن استمرار الحرب، بدلاً من الاكتفاء بخطاب المساواة بين أطراف الصراع.

وإذا استمر هذا الاتجاه، فقد يشكل نقطة تحول في طريقة إدارة المجتمع الدولي للأزمة السودانية، سواء من خلال تكثيف الضغوط الدبلوماسية أو عبر الدفع نحو مسارات تفاوضية جديدة تستند إلى تحميل المسؤولية للطرف الذي يُنظر إليه على أنه يعرقل فرص الوصول إلى تسوية سياسية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى