
تثاقلت خطوات حمد بدوي وهو يقترب من عنقريبه العتيق، ذاك الذي لم يعد سوى هيكلٍ واهن تتدلى حباله الممزقة كشواهد صامتة على زمن كان عامراً بالضحكات والدفء، لم يكن مجرد سرير ريفي، بل متحفاً صغيراً لذاكرة عامرة، احتفظ بين “حباله” المتهالكة بكل لحظة فرح عابرة، وكل مغامرةٍ شكلت شخصية حمد المرحة؛ تلك الشخصية التي كانت، رغم قسوة الأيام، قادرة على انتزاع ابتسامة من بين أنقاض البؤس.
جلس حمد ببطء، كأنما يعتذر للعنقريب عن ثقل السنين، واستند بظهره وهو يستعيد طقوس الأمسيات القديمة؛ حين كان يعود من السوق، متعبا ولكن ممتلئ القلب، ليجد “فطومة بت المنى” في انتظاره، تعد القهوة، وتملأ المكان بحضورها الذي كان ذات يوم حديث الفريق كلّه، كانت فطومة، في شبابها، نوارة المجالس، وماء أغنيات الطمبارة و”الهدايين” حيث تضرب بها الأمثال في القوام الممشوق والدقة التي جعلتهم يلقبونها بـ”فطومة المسطرة”، وكأنها خلقت على ميزانٍ لا يختل.
وضعت القهوة أمامه، ثم أحضرت الراديو “الناشونال”، ذلك الرفيق الثالث الذي اقتسم معهما السنين، شاهداً على تقلبات الزمن، أدار حمد المؤشر نحو أم درمان، فانساب صوت المذيعة هادئاً، كجدول ماءٍ في مساءٍ رائق:
“هنا أم درمان…”،مستمعينا الكرام، مساءٌ يليق بكم وبحضوركم الدافئ معنا في هذه اللحظات الجميلة، في المساحة التالية،نستمع فيها إلى أغنية “المصير” بصوت الفنان الذري إبراهيم عوض، فكونوا معنا ودعوا الألحان تأخذكم إلى عوالمها الساحرة.
كنت تمنحنى السعادة
ولى تتفجر عطايا
ولما أغرق فى دموعى
تبكى من قلبك معايا
كنا فى ماضينا قوة
قوة تتحدى الصعاب
نقطع الليل المخيم
ونمشى فى القفر اليباب
ما إن انطلقت أغنية “المصير” حتى انفتحت أبواب الذاكرة على مصراعيها، عاد حمد فجأة إلى بداياته، إلى رحلته الأولى من ديار الشايقية، حين حمله الحنين والبحث عن الرزق إلى تخوم كادوقلي، حيث استقر به المقام بين فرقان البقارة، وتعلم لغة الأرض والماشية، وتبدلت ملامحه حتى صار يعرف بين الناس بـ”حمد الجلابي”.
لم يكن مجرد سائق لوري يجوب الدروب، بل كان أيضاً فناناً، يحمل في صوته وجدان الطمبور، ويردد أغانيه كأنها امتداد لطريق لا ينتهي
سمى بسم الله وقرا
وفارق امدرمان غادرا
وين يا صابر جرا
فلخ الرمله مقنطره
جا ماشي فيها قطع مسطره
قوة اليابان فترا
باليمين ايدك قصرا
وشوف تعاشيقك باصرا
وين يا صابر جرا
البلد مالك هاجرا
وهناك في إحدى رحلاته، التقى بـ”فطومة”، ولم يكن اللقاء عادياً بل كان أشبه بنداء خفي جمع بين روحين، فتزوجها، واستقر، وصار له بيت وماشية، وحياة بدت وكأنها قد اكتملت، ولكن الحياة كعادتها، لا تدوم على حال، فحين ضرب الجفاف والتصحر أرض كردفان، وتراجعت الأمطار، ذبلت الأرض ونفقت الماشية، وتبددت الأحلام كما يتبخر السراب.
وجد حمد نفسه فجأة مجرداً من كل شيء، إلا من “الدرداقة” التي صار يدفعها في السوق، ينقل بها الأثقال، وكأنها تلخص ما تبقى من حياته، فعاد من شروده على وقع الأغنية، ومدّ يده نحو فطومة دون وعي، كما كان يفعل قديما، حين كانت اللمسة وحدها كفيلة بإشعال دفء لا يخبو، وإشتعال “حفرة الدخان” برائحة الطلح، ولكن يده تراجعت سريعاً، وكأنها لامست زمناً لم يعد موجوداً.
تمتم بصوتٍ خافت:
– “إييه يا دنيا… ما فيك حلو”
نظرت إليه “فطومة:، وفي عينيها بقايا حكايات طويلة وإشتهاءات عميقة، لم تكن تلك النظرة مجرد رد، بل كانت استعادةً كاملة لأيام كان فيها اللمس لغة، والهمس موسيقى، والجسد قصيدة تقرأ علي مسرح حبال” العنقريب”، اعتدلت في جلستها وقالت، بنبرةٍ يختلط فيها الحنين بالتسليم:
– “أحيييي يا حمد… العمر دا عاد بتن بيرجع زي قبل؟”
ابتسم بحزن:
– “الرغبة لسه موجودة يا فطومة… لكن الحيل حرن، والروح قربت من النخرة.”
ساد صمت قصير، ثم كسره حمد قائلاً:
– “أمشي جيبي التني… والديك القبيل جبتو ليك… سوي لينا عشاء يسلّي باقي السنين.”
وفي السوق، كان حمد يدفع “درداقته” بصعوبة، يلاحقه التعب في كل خطوة. لاحظه أحد التجار، فناداه:
– “يا عم حمد، تعال يا أبوي!”
اقترب حمد بابتسامةٍ مرهقة:
– “حبابك يا ولدي.”
– “إنت محتاج ديك سمين… يقويك على الشغل دا.”
ناولَه المال، فشكره حمد، ومضى إلى سوق الدجاج، وعاد وهو يغني، كأنما عاد إليه شيء من شبابه.
الدمعة لو بتعين
كان بدرى عانتنى
ماخلت الايام
الآمها صابتنى
في البيت، اجتهدت فطومة في إعداد الطعام، كأنها لا تطبخ مجرد ديك، بل تحشد داخل القدر كل ما تبقى من دفء الأيام. حين قدمت له العشاء، قالت:
– “أكل واشبع، وشبعني معاك ؟ ”
أكل حمد بنهم، كأنه يعوض سنوات الحرمان، ثم نهض حاملا “إبريقه” متجهاً لقضاء حاجته باطراف الفريق،لكنه توقف فجأة، فهناك، في زاوية البيت، كانت “فطومة” قد أعدت حفرة الدخان، وضعت الطلح، والشملة، والدلكة، والخمرة، ثم جلست على البرش، وانطلقت تغني بصوتٍ عتيق، كأن الزمن عاد بها إلى أيام الحكامات، حين كانت تقود الغناء وتشعل الحماس.
حوالى الساعة خمسة
يوم طريتا قاعدة ببكى
بلغوا سلامى لروحى الفارقتنى
قديم الفات خليهو
الوليد مالو جافى
ابوقجيجة سلب عقلى
امتلأ المكان برائحة الطلح، واختلط الصوت بالذاكرة، وبدت اللحظة كأنها محاولة أخيرة لاستعادة شيءٍ ضائع،لكن حمد قد أثقلته السنين، لم يحتمل المشهد،تقدم ببطء، ثم فجأة، وبدون مقدمات، سكب الماء على حفرة الدخان،ارتفع البخار، وانطفأ الطلح.د، ثم صاح بصوت غاضب مشوب بالعجز:
– “هووي يا فطومة! الكلام دا ما وقته…!” ثم أضاف، كأنما يلخص كل شيء:
– “والديك دا… للدرداقة، ما لشغل تاني.”
ساد الصمت.
لم يكن اطفاء حفرة الدخان مجرد فعل عابر، بل كان إعلانا خفيا بأن الزمن الذي كان يشتعل بينهما قد انطفأ بالفعل، وأن ما تبقى ليس إلا محاولة باهتة لإحياء رماد لايشتعل من جديد،جلس حمد على عنقريبه، وعادت حباله الممزقة تئن تحت وزنه، كأنها تشاركه الاعتراف،بأن بعض الأشياء، مهما اشتقنا إليها، لا تعود.

