ثقافة ومنوعات

اما حكاية ! حينما يغنّي يوسف قرنق

إيهاب مادبو

كانت الرمية تبدأ خفيفة، مصحوبة برقٍ مشدودٍ على دوزنة الإيقاع، ثم ينساب الصوت… صوت لايغنى بقدر ما يهدهد، كنسيمٍ يمر في ليلة ممطرة من ليالي كادوقلي، يتسلّل إلى حنايا الروح ويوقظ فيها ما ظنناه نام إلى الأبد،كان صوتا يعرف الطريق إلى الدواخل دون استئذان، ويعيد ترتيب الفوضى التي نخفيها خلف ضحكاتنا الصغيرة.

“اللابسة التوب مع العصرية
شباب كليمو ازاني ازية”

هكذا كانت البداية دائمًا، وكأن المدينة كلها تستدعى بنداء خفي، وكأن الأرواح المبعثرة تجمع فجأة حول نار واحدة اسمها الغناء،
ففي منتصف ثمانينات القرن الماضي، كنّا تلاميذ في خواتيم المرحلة الابتدائية بمدرسة كادوقلي الشرقية. وكانت كادوقلي، في تلك السنوات، تشبه قصيدة مفتوحة على الفرح، لا تختتم، ولاتفسر.

الخريف يأتي لكادوقلي مبكرا، كعريسٍ ملح، ليعلن “ليلة دخلته” على الأرض، فتستجيب له التلال، وتلين الصخور، وتخضع لوقع الرعود ودعاشات المطر،كانت الأرض تتنفس، ونحن معها نتعلم كيف يكون الفرح بسيطًا، وكيف يمكن لصوت واحد أن يصنع مدينة.

ليالي كادوقلي… يا لها من ليال، لم تكن مجرد زمنٍ يمر، بل كانت طقسا يوميا للدهشة، كانت موسيقى البوليس تملأ الفضاء بمقطوعات مدهشة، أبدعها “الجقر”، وتوهجت فيها أنفاس الترومبيت بين يدي محمد كويل، كأنها تحكي حكايات لاتقال بالكلمات. وعلى مسارحها الصغيرة، كانت تصاغ شخصية إنسانها؛ إنسان يرى في الفن ضرورة للحياة، لا ترفا يؤجل.

وفي تلك المساحة، بزغ نجم يوسف قرنق.
لم يكن مجرد مغن، بل كان حالة كاملة من الطرب، طقسا من الطقوس، وذاكرة تمشي على قدمين. يغني بالدلوكة والرق، محاطا بالكورس، فيعيد للأغنية الشعبية بهاءها الأول، ويمنحها قلبا جديدا، يبدأ حفلاته دائما بصوته المتهادي، وكأنه يفتح بابا قديما:

الصلاح رجال كسلا يا ليله
تموا ليا بي عجلا
يوم الفارقت كسلا
خلاص عشاقا ضاع أملا
دمع العين ذرف وملا
بيها الحفلة زايدة حلا

وحين تسكت الدلوكة لحظة، يتسرب صوت البنوت إلى الأرواح، كأنه رسالة سرية لا يقرأها إلا من جرب الحب أو خاف منه:

الله يأزى الأزانة وين البلال ما جانا
عشان بريدو أديتو وردة بيضا
أداني وردة وزادت على الريدة
محبة قلوبنا ما بنختلف

كانت الدلوكة يومها أكثر من آلة كانت مدرسة كاملة، فيها صاغت بنات المدينة ألحانهن، وخبأن أسرارهن بين الضربات، وعبرن عن دواخلهن بصدق لا يشبهه شيء، كانت الأغنية تولد هناك، من قلب الحياة، لا من استوديو،في إحدى تلك الليالي، جاءني صديقي المتتم كيفي يوسف البدوي صاحب قصيدة الثورة (البرجوكي)، يحمل في عينيه لهفة لا تخطئها الروح، كأنها استعجال للحياة قبل أن تفوته.
_ يا زول، إنت ماشي السينما؟
_ في شنو ياعمك؟
— الليلة فيلم “عدالتي” اقوي الافلام الهندية.
ابتسمت له بإرتقاء تساؤلاته للإجابة
— عدالتي شنو! الليلة حفلة في حي السلخانة… بيوسف قرنق!
تردد يوسف البدوي بين السينما وحفلة يوسف قرنق، بين شاشة بعيدة وصوت قريب، بين حكاية تعرض علينا، وحكاية نكون نحن جزءًا منها. لكن يوسف لم يكن من الذين يتركونك تتردد طويلًا:
— تمام يازول انا جاهز بنطلون وقميص.

ضحك يوسف بلاغة هكذا كنا نسميه بسخريته المعهودة، وكأنه قد حسم امرا في غاية الصعوبة وهكذا، وجدت نفسي أسير معه، تحت سماء مثقلة بالغيوم، نخطو في طرق موحلة بالطين، لكن قلوبنا كانت خفيفة، كأننا نسير نحو شيءٍ نعرفه دون أن نسمّيه. كأننا نختصر المسافات إلى لحظة ستبقى.

كان حي السلخانة بكادوقلي عالما خاصا، حتى الدلوكة فيه كانت تختلف إيقاعا وطعما، كأن الأرض نفسها تضيف نغمتها الخاصة.

خلاص سيبني وانساني
شوف ليك ريدة تاني

صوت حنين محتشد بالجمال يتسرب لدواخلنا ونحن نسرع الخطي نحو تلك الحفلة، حينما وصلنا وجدنا الساحة تغلي بالشباب، وجوه تتلألأ في ضوء خافت، وعيون تبحث عن عيون، وقلوب تخفق بإيقاعٍ واحد. الجميع هناك… كدراويش في حضرة الغناء، يذوبون في الصوت، ويتركون خلفهم كل ما يثقلهم،ارتفع صوت يوسف قرنق:

أنا في هواك ضحيت يا حبيبي لو تعلم
وعزولنا نام مرتاح وأنا قلبي بينزف دم
بكره الرحيل يا ملاك وتاني ما بنتلم
حافظ على الذكرى الدنيا ما بترحم

كأن هذه الأغنية قد فتحت أبوابا خفية. فجأة، لم يعد المكان حفلة، بل صار محطات وداع. همسات تتسلل بين الناس:
— إنت بكرة مسافر؟
— أيوة… حجزت.
وفي زاوية أخرى خلف “الرتينة”، صوت مكسور:
— عليك الله ما تسافر…
والصوت يعلو، كأنه يكتب النهاية قبل أن نعيشها:
قطارو هلا ياناس
قطارو هلا
ترك لعمري الآلام والمذلة
حبيبي سافر ياناس ودعتو الله

تجمدت اللحظة اختلطت الدموع بالصمت، وصار الغناء مرآة لكل ما لا يُقال، لكل ما نخاف أن نقوله،وفجأة، انقطع الغناء،تقدم يوسف البدوي، وكأنه خرج من النص إلى الحقيقة، لم يعد صديقي فقط، بل صار صوتا آخر في تلك الليلة، مرتجلاً إحدي قصائده التى حضرت ميلاد بعضها

لمياء
لو القاك ..حين تيبست في دواخلي
لغة الترقب والسؤال ..
لمياء
لو بسمت خطاك علي الدروب
تراخت القسمات وانتعش الوصال ..
وبدأت كالقمر شوقاً
يلمع في التغير.. في الرمال

كان صوته يرتجف، لكن كلماته كانت تمشي بثبات نحو قلبها، لم يكن يلقي قصيدة، بل كان يعترف… أمام الجميع. وحين انتهى، تعالت الزغاريد، ورأيتها لمياء تتقدم نحوه، تحتضنه، تقف إلى جواره، كأن العالم اختصر نفسه في تلك اللحظة

شعرتُ بشيءٍ ينكسر داخلي… أو ربما يولد.
عاد يوسف قرنق إلى الغناء، لكن صوته هذه المرة كان مختلفا… أكثر امتلاء، أكثر حزنا، كأنه يعرف ما ينتظرنا جميعا:

الجرح جرحي براي منو البقاسي معاي
ما ناس تقول كلمات يمكن تخفف أساي
ويمكن تقول كلمات وتزيد علي شقاي
لو طالت السنوات وكان يا جرح ما بريت

كانت الأغنية تنزل علينا كالمطر، لكن هذا المطر لم يكن ينعش فقط، كان برقه يكشف كل واحد فينا كان يرى نفسه فيه، يرى خساراته القادمة، وأحلامه التي لن تكتمل،
انتهت الليلة… كما تنتهي كل الأشياء الجميلة، فجأة ودون إنذار،تفرقنا بالمسافات والموت، وعادت المدينة إلى صمتها، لم نكن نعلم، ونحن نغادر، أن تلك الليلة ستصبح لاحقا ذكرى أثقل من قدرتنا على الاحتمال.

مرت السنوات، وتفرقنا نحن أيضا. بعضنا سافر، وبعضنا ابتلعته الارض في شبر ود”اللحد”، وبعضنا اختفى عن الوجود كما تختفي الأصوات في الريح، كلما تذكرت تلك الليلة، أشعر بأن شيئا ما قد سرق منا دون أن ننتبه، الموت والمسافات وقدرتنا علي الفرح

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى