مقالات واراء

اما حكاية! تفكيك إدعاء الرياض والقاهرة حول شرعية بورتسودان

إيهاب مادبو

السودان ليس ساحة نفوذ، ومستقبله لا يُدار من القاهرة أو الرياض، بل من السودانيين وبإرادة شعبيه،غير أن واقع الأزمة الراهنة يكشف عن استمرار تعامل قوى إقليمية مع السودان باعتباره ملفاً تابعاً لحسابات الأمن والحدود والمصالح الاقتصادية، لا دولة ذات سيادة تمر بواحدة من أعقد لحظاتها التاريخية.

لقد تركزت تدخلات بعض الدول الإقليمية، وفي مقدمتها مصر والسعودية، على إدارة الأزمة لا حلها، عبر رعاية مسارات تفاوضية جزئية أو منح شرعية سياسية وعسكرية لأطراف بعينها، دون معالجة الجذور الحقيقية للصراع.

وبدلاً من دعم انتقال مدني شامل يعكس تطلعات السودانيين، جرى التعاطي مع السلطة القائمة في بورتسودان بوصفها أمراً واقعاً يمكن توظيفه لضمان “الاستقرار”، رغم فشلها الواضح في وقف الحرب أو بناء توافق وطني جامع.

هذا النهج لم يؤدِّ سوى إلى إطالة أمد النزاع وتعميق المأساة الإنسانية، إذ تحولت المبادرات الإقليمية إلى أدوات ضغط وتوازنات، ومع غياب موقف إقليمي حازم يربط أي دعم عسكري أو سياسي بإنهاء الحرب وتفكيك بنية الحكم العسكري، وجد السودانيون أنفسهم مرة أخرى خارج معادلة تقرير مصيرهم

ويُستخدم مفهوم “الشرعية” في الخطاب الرسمي للرياض والقاهرة الداعم لسلطة بورتسودان بوصفه مسلّم لا يقبل النقاش، رغم أن هذا المفهوم، في جوهره السياسي والقانوني، يقوم على أسس غائبة تماماً عن الواقع السوداني الراهن.

فالشرعية لا تُستمد من السيطرة العسكرية، ولا من الاعتراف الخارجي، بل من تفويض شعبي واضح، وإطار دستوري متوافق عليه، وقدرة فعلية على تمثيل مصالح المواطنين وحمايتهم.

في الحالة السودانية، لا تتوفر أي من هذه الشروط. فسلطة بورتسودان لم تنبثق عن انتخابات، ولا عن عملية انتقال دستوري، بل عن انقلاب عسكري أعقبه اندلاع حرب مدمّرة. كما أن المؤسسات التي تستند إليها هذه السلطة إما معطلة أو فاقدة للاستقلال، ما يجعل الحديث عن “شرعية دستورية” أقرب إلى توظيف سياسي للمصطلحات منه إلى توصيف قانوني دقيق.

أما الاعتراف الإقليمي والدولي، الذي يُقدَّم بوصفه دليلاً على الشرعية، فلا يعدو كونه شكلاً من أشكال التعامل البراغماتي مع أمر واقع. فالاعتراف الخارجي لا يصنع شرعية، بل قد يمنح غطاءً مؤقتاً لسلطة تفتقر إلى القبول الداخلي. والتاريخ السياسي، في السودان وخارجه، حافل بأمثلة لسلطات حظيت باعتراف دولي واسع، لكنها سقطت فور استعادة الشعوب لحقها في القرار.

الأخطر في خطاب “الشرعية” هو استخدامه لإقصاء أي بديل مدني، ووصم القوى الثورية والديمقراطية بأنها “غير واقعية” أو “فاقدة للتمثيل”، بينما تُمنح السلطة القائمة حصانة سياسية وأخلاقية رغم فشلها في وقف الحرب أو حماية المدنيين،وبهذا يتحول مفهوم الشرعية من أداة لضبط السلطة ومساءلتها إلى سلاح لإدامتها ومنع التغيير.

إن تفكيك هذا الخطاب ليس تمريناً نظرياً، بل خطوة ضرورية لإعادة الاعتبار لمبدأ السيادة الشعبية. فالسودان لا يعاني من فراغ شرعي بقدر ما يعاني من اغتصاب للشرعية، ومن خلط متعمّد بين الدولة والسلطة، وبين الاستقرار الحقيقي وإدارة الفوضى.

ومن دون إعادة تعريف الشرعية بوصفها نابعة من الشعب، لا من فوهة البندقية أو رضا الخارج، سيظل أي حل سياسي هشّاً وقابلاً للانهيار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى